تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير الرازي — صفحة 116

مساهمون:

ص١١٦
المسألة الأولى : قرأ عاصم في رواية الأعمش وعبد الرحمن عن أبي عكرمة عنه * ( أذن خير ) * مرفوعين منونين ، على تقدير : إن كان كما تقولون إنه أذن . فأذن خير لكم يقبل منكم ويصدقكم خير لكم من أن يكذبكم ، والباقون * ( أذن خير لكم ) * بالإضافة ، أي هو أذن خير ، لا أذن شر ، وقرأ نافع * ( أذن ) * ساكنته الذال في كل القرآن ، والباقون بالضم وهما لغتان مثل عنق وظفر . المسألة الثانية : قال ابن عباس رضي الله عنه : أن جماعة من المنافقين ، ذكروا النبي صلى الله عليه وسلم بما لا ينبغي من القول فقال بعضهم لا تفعلوا فإنا نخاف أن يبلغه ما نقول ، فقال الجلاس بن سويد : بل نقول ما شئنا ، ثم نذهب إليه ونحلف أنا ما قلنا ، فيقبل قولنا ، وإنما محمد أذن سامعة ، فنزلت هذه الآية . وقال الحسن : كان المنافقون يقولون ما هذا الرجل إلا أذن ، من شاء صرفه حيث شاء لا عزيمة له . وروى الأصم أن رجلاً منهم قال لقومه إن كان ما يقول محمد حقاً ، فنحن شر من الحمير فسمعها ابن امرأته ، فقال : والله إنه لحق وإنك أشر من حمارك ، ثم بلغ النبي صلى الله عليه وسلم ذلك فقال بعضهم : إنما محمد أذن ولو لقيته وحلفت له ليصدقنك ، فنزلت هذه الآية على وفق قوله . فقال القائل : يا رسول الله لم أسلم قط قبل اليوم ، وإن هذا الغلام لعظيم الثمن علي والله لأشكرنه ثم قال الأصم : أظهر الله تعالى عن المنافقين وجوه كفرهم التي كانوا يسرونها لتكون حجة للرسول ولينزجروا . فقال : * ( ومنهم من يلمزك في الصدقات ) * . ثم قال : * ( ومنهم الذين يؤذون النبي ) * ثم قال : * ( ومنهم من عاهد الله ) * إلى غير ذلك من الأخبار عن الغيوب ، وفي كل ذلك دلائل على كونه نبياً حقاً من عند الله . المسألة الثالثة : اعلم أنه تعالى حكى أن من المنافقين من يؤذي النبي ، ثم فسر ذلك الإيذاء بأنهم يقولون للنبي أنه أذن ، وغرضهم منه أنه ليس له ذكاء ولا بعد غور ، بل هو سليم القلب سريع الاغترار بكل ما يسمع ، فلهذا السبب سموه بأنه أذن ، كما أن الجاسوس يسمى بالعين يقال : جعل فلان علينا عيناً ، أي جاسوساً متفحصاً عن الأمور ، فكذا ههنا . ثم إنه تعالى أجاب عنه بقوله * ( قل أذن خير لكم ) * والتقدير : هب أنه أذن لكنه خير لكم وقوله : * ( أذن خير ) * مثل ما يقال فلان رجل صدق وشاهد عدل ، ثم بين كونه * ( أذن خير ) * بقوله : * ( يؤمن بالله ويؤمن للمؤمنين ورحمة للذين آمنوا منكم ) * جعل تعالى هذه الثلاثة كالموجبة لكونه عليه الصلاة والسلام * ( أذن خير ) * فلنبين كيفية اقتضاء هذه المعاني لتلك الخيرية . أما الأول : وهو قوله : * ( يؤمن بالله ) * فلأن كل من آمن بالله خائفاً من الله ، والخائف من الله لا يقدم على الإيذاء بالباطل .