تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير الرازي — صفحة 80

مساهمون:

ص٨٠
يدخل في صميم الفؤاد . إذا عرفت هذا فنقول : لهذه الآية تأويلان : القول الأول : أن يكون المراد أزلنا الأحقاد التي كانت لبعضهم على بعض في دار الدنيا ، ومعنى نزع الغل : تصفية الطباع وإسقاط الوساوس ومنعها من أن ترد على القلوب ، فإن الشيطان لما كان في العذاب لم يتفرغ لإلقاء الوساوس في القلوب ، وإلى هذا المعنى أشار علي بن أبي طالب رضي الله عنه فقال : إني لأرجو أن أكون أنا وعثمان وطلحة والزبير من الذين قال الله تعالى فيهم * ( ونزعنا ما في صدورهم من غل ) * . والقول الثاني : أن المراد منه أن درجات أهل الجنة متفاوتة بحسب الكمال والنقصان ، فالله تعالى أزال الحسد عن قلوبهم حتى أن صاحب الدرجة النازلة لا يحسد صاحب الدرجة الكاملة . قال صاحب " الكشاف " : هذا التأويل أولى من الوجه الأول ، حتى يكون هذا في مقابلة ما ذكره الله تعالى من تبري بعض أهل النار من بعض ، ولعن بعضهم بعضاً ، ليعلم أن حال أهل الجنة في هذا المعنى أيضاً مفارقة لحال أهل النار . فإن قالوا : كيف يعقل أن يشاهد الإنسان النعم العظيمة ، والدرجات العالية ، ويرى نفسه محروماً عنها عاجزاً عن تحصيلها ، ثم أنه لا يميل طبعه إليها ، ولا يغتم بسبب الحرمان عنها ، فإن عقل ذلك ، فلم لا يعقل أيضاً أن يعيدهم الله تعالى ، ولا يخلق فيهم شهوة الأكل ، والشرب ؟ والوقاع ، ويغنيهم عنها ؟ قلنا : الكل ممكن ، والله تعالى قادر عليه ، إلا أنه تعالى وعد بإزالة الحقد والحسد عن القلوب ، وما وعد بإزالة شهوة الأكل والشرب عن النفوس ، فظهر الفرق بين البابين . ثم إنه تعالى قال : * ( تجري من تحتهم الأنهار ) * والمعنى : أنه تعالى كما خلصهم من ربقة الحقد والحسد والحرص على طلب الزيادة فقد أنعم عليهم بالذات العظيمة ، وقوله : * ( تجري من تحتهم الأنهار ) * من رحمة الله وفضله وإحسانه ، وأنواع المكاشفات والسعادات الروحانية . ثم حكى تعالى عن أهل الجنة أنهم قالوا : * ( الحمد لله الذي هدانا لهذا ) * وقال أصحابنا : معنى * ( هدانا الله ) * أنه أعطى القدرة ، وضم إليها الداعية الجازمة ، وصير مجموع القدرة وتلك الداعية موجباً لحصول تلك الفضيلة . فإنه لو أعطى القدرة ، وما خلق تلك الداعية لم يحصل الأثر ، ولو خلق الله الداعية المعارضة أيضاً لسائر الدواعي الصارفة ، لم يحصل الفعل أيضاً . أما لما خلق القدرة ، وخلق الداعية الجازمة ، وكان مجموع القدرة مع الداعية المعينة موجباً للفعل كانت الهداية حاصلة في الحقيقة بتقدير
تفسير الرازي — صفحة 80 | فخر الدين الرازي