تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير الرازي — صفحة 77

مساهمون:

ص٧٧
في البدن لطيف فهو " سم " وجمعه سموم ، ومنه قيل : السم القاتل . لأنه ينفذ بلطفه في مسام البدن حتى يصل إلى القلب ، و * ( الخياط ) * ما يخاط به . قال الفراء : ويقال خياط ومخيط ، كما يقال إزار ومئزر ولحاف وملحف ، وقناع ومقنع ، وإنما خص الجمل من بين سائر الحيوانات ، لأنه أكبر الحيوانات جسماً عند العرب . قال الشاعر : جسم الجمال وأحلام العصافير ( c ) فجسم الجمل أعظم الأجسام ، وثقب الإبرة أضيق المنافذ ، فكان ولوج الجمل في تلك الثقبة الضيقة محالاً ، فلما وقف الله تعالى دخولهم الجنة على حصول هذا الشرط ، وكان هذا شرطاً محالاً ، وثبت في العقول أن الموقوف على المحال محال ، وجب أن يكون دخولهم الجنة مأيوساً منه قطعاً . المسألة الثانية : قال صاحب " الكشاف " : قرأ ابن عباس * ( الجمل ) * بوزن القمل ، وسعيد بن جبير * ( الجمل ) * بوزن النغر . وقرئ * ( الجمل ) * بوزن القفل ، و * ( الجمل ) * بوزن النصب ، و * ( الجمل ) * بوزن الحبل ، ومعناها : القلس الغليظ ، لأنه حبال جمعت وجعلت جملة واحدة ، وعن ابن عباس رضي الله عنهما أن الله تعالى أحسن تشبيهاً من أن يشبه بالجمل . يعني : أن الحبل مناسب للخيط الذي يسلك في سم الإبرة ، والبعير لا يناسبه . إلا أنا ذكرنا الفائدة فيه . المسألة الثالثة : القائلون بالتناسخ احتجوا بهذه الآية ، فقالوا : إن الأرواح التي كانت في أجساد البشر لما عصت وأذنبت ، فإنها بعد موت الأبدان ترد من بدن إلى بدن ، ولا تزال تبقى في التعذيب حتى أنها تنتقل من بدن الجمل إلى بدن الدودة التي تنفذ في سم الخياط ، فحينئذ تصير مطهرة عن تلك الذنوب والمعاصي ، وحينئذ تدخل الجنة وتصل إلى السعادة . واعلم أن القول بالتناسخ باطل وهذا الاستدلال ضعيف . والله أعلم . ثم قال تعالى : * ( وكذلك نجزي المجرمين ) * أي ومثل هذا الذي وصفنا نجزي المجرمين ، والمجرمون والله أعلم ههنا هم الكافرون ، لأن الذي تقدم ذكره من صفتهم هو التكذيب بآيات الله ، والاستكبار عنها . واعلم أنه تعالى لما بين من حالهم أنهم لا يدخلون الجنة البتة بين أيضاً أنهم يدخلون النار ، فقال * ( لهم من جهنم مهاد ومن فوقهم غواش ) * وفيه مسألتان : المسألة الأولى : " المهاد " جمع مهد ، وهو الفراش . قال الأزهري : أصل المهد في اللغة الفرش ، يقال للفراش مهاد لمواتاته ، والغواشي جمع غاشية ، وهي كل ما يغشاك ، أي يجللك ، وجهنم لا تنصرف لاجتماع التأنيث فيها والتعريف ، وقيل اشتقاقها من الجهمة ، وهي الغلظ ، يقال :