تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير الرازي — صفحة 54

مساهمون:

ص٥٤
من هذا الكلام ، تأكيد التحذير لبني آدم ، لأنه لما بلغ تأثير وسوسة الشيطان في حق آدم مع جلالة قدره إلى هذا الحد فكيف يكون حال آحاد الخلق ؟ ثم أكد تعالى هذا التحذير بقوله : * ( إنه يراكم هو وقبيله من حيث لا ترونهم ) * وفيه مباحث : البحث الأول : * ( إنه يراكم ) * يعني إبليس * ( هو وقبيله ) * أعاد الكناية ليحسن العطف كقوله : * ( أسكن أنت وزوجك الجنة ) * ( البقرة : 35 ) . البحث الثاني : قال أبو عبيدة عن أبي زيد : " القبيل " الجماعة يكونون من الثلاثة فصاعداً من قوم شتى ، وجمعه قبل . والقبيلة : بنو أب واحد . وقال ابن قتيبة ، قبيله أصحابه وجنده ، وقال الليث : * ( هو وقبيله ) * أي هو ومن كان من نسله . البحث الثالث : قال أصحابنا : إنهم يرون الأنس لأنه تعالى خلق في عيونهم إدراكاً والإنس لا يرونهم لأنه تعالى لم يخلق هذا الإدراك في عيون الإنس ، وقالت المعتزلة : الوجه في أن الإنس لا يرون الجن ، رقة أجسام الجن ولطافتها . والوجه في رؤية الجن للإنس ، كثافة أجسام الإنس ، والوجه في أن يرى بعض الجن بعضاً ، أن الله تعالى يقوي شعاع أبصار الجن ويزيد فيه ، ولو زاد الله في قوة أبصارنا لرأيناهم كما يرى بعضنا بعضاً ، ولو أنه تعالى كثف أجسامهم وبقيت أبصارنا على هذه الحالة لرأيناهم ، فعلى هذا كون الإنس مبصراً للجن موقوف عند المعتزلة إما على زيادة كثافة أجسام الجن ، أو على زيادة قوة أبصار الإنس . البحث الرابع : قوله تعالى : * ( من حيث لا ترونهم ) * يدل على أن الإنس لا يرون الجن لأن قوله : * ( من حيث لا ترونهم ) * يتناول أوقات الاستقبال من غير تخصيص ، قال بعض العلماء ولو قدر الجن على تغيير صور أنفسهم بأي صورة شاؤوا وأرادوا ، لوجب أن ترتفع الثقة عن معرفة الناس ، فلعل هذا الذي أشاهده وأحكم عليه بأنه ولدي أو زوجتي جنى صور نفسه بصورة ولدي أو زوجتي وعلى هذا التقدير فيرتفع الوثوق عن معرفة الأشخاص ، وأيضاً فلو كانوا قادرين على تخبيط الناس وإزالة العقل عنهم مع أنه تعالى بين العداوة الشديدة بينهم وبين الإنس ، فلم لا يفعلون ذلك في حق أكثر البشر ؟ وفي حق العلماء والأفاضل والزهاد ، لأن هذه العداوة بينهم وبين العلماء والزهاد أكثر وأقوى ، ولما لم يوجد شيء من ذلك ثبت أنه لا قدرة لهم على البشر بوجه من الوجوه . ويتأكد هذا بقوله : * ( ما كان لي عليكم من سلطان إلا أن دعوتكم فاستجبتم لي ) * ( إبراهيم : 22 ) قال مجاهد : قال إبليس أعطينا أربع خصال : نرى ولا نرى ، ونخرج من تحت الثرى ، ويعود شيخنا فتى . ثم قال تعالى : * ( إنا جعلنا الشياطين أولياء للذين لا يؤمنون ) * فقد احتج أصحابنا بهذا النص على
تفسير الرازي — صفحة 54 | فخر الدين الرازي