تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير الرازي — صفحة 42

مساهمون:

ص٤٢
والقول الثاني : في هذه الآية أنه تعالى حكى عن الشيطان ذكر هذه الوجوه الأربعة ، والغرض منه أنه يبالغ في إلقاء الوسوسة ، ولا يقصر في وجه من الوجوه الممكنة البتة . وتقدير الآية : ثم لآتينهم من جميع الجهات الممكنة بجميع الاعتبارات الممكنة . وعن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال : " إن الشيطان قعد لابن آدم بطريق الإسلام " فقال له : تدع دين آبائك فعصاه فأسلم ، ثم قعد له بطريق الهجرة ، فقال له : تدع ديارك وتتغرب فعصاه وهاجر ، ثم قعد له بطريق الجهاد فقال له : تقاتل فتقتل ، ويقسم مالك ، وتنكح امرأتك ، فعصاه فقاتل ، وهذا الخبر يدل على أن الشيطان لا يترك جهة من جهات الوسوسة إلا ويلقيها في القلب . فإن قيل : فلم لم يذكر مع الجهات الأربع من فوقهم ومن تحتهم . قلنا : أما في التحقيق فقد ذكرنا أن القوى التي يتولد منها ما يوجب تفويت السعادات الروحانية ، فهي موضوعة في هذه الجوانب الأربعة من البدن . وأما في الظاهر : فيروى أن الشيطان لما قال هذا الكلام رقت قلوب الملائكة على البشر ، فقالوا : يا إلهنا كيف يتخلص الإنسان من الشيطان مع كونه مستولياً عليه من هذه الجهات الأربع ، فأوحى الله تعالى إليهم أنه بقي للإنسان جهتان : الفوق والتحت ، فإذا رفع يديه إلى فوق في الدعاء على سبيل الخضوع ، أو وضع جبهته على الأرض على سبيل الخشوع غفرت له ذنب سبعين سنة . والله أعلم . المسألة الثانية : أنه قال : * ( من بين أيديهم ومن خلفهم ) * فذكر هاتين الجهتين بكلمة * ( من ) * . ثم قال : * ( وعن أيمانهم وعن شمائلهم ) * فذكر هاتين الجهتين بكلمة * ( عن ) * ولا بد في هذا الفرق من فائدة . فنقول : إذا قال القائل جلس عن يمينه ، معناه أنه جلس متجافياً عن صاحب اليمين غير ملتصق به . قال تعالى : * ( عن اليمين وعن الشمال قعيد ) * ( ق : 17 ) فبين أنه حضر على هاتين الجهتين ملكان ، ولم يحضر في القدام والخلف ملكان ، والشيطان يتباعد عن الملك ، فلهذا المعنى خص اليمين والشمال بكلمة * ( عن ) * لأجل أنها تفيد البعد والمباينة ، وأيضاً فقد ذكرنا أن المراد من قوله : * ( من بين أيديهم ومن خلفهم ) * الخيال ، والوهم ، والضرر الناشئ منهما هو حصول العقائد الباطلة ، وذلك هو حصول الكفر ، وقوله : * ( وعن أيمانهم وعن شمائلهم ) * الشهوة ، والغضب ، والضرر الناشئ منهما هو حصول الأعمال الشهوانية والغضبية ، وذلك هو المعصية ، ولا شك أن الضرر الحاصل من الكفر لازم ، لأن عقابه دائم . أما الضرر الحاصل من المعصية فسهل لأنه عقابه منقطع ، فلهذا السبب خص هذين القسمين بكلمة * ( عن ) * تنبيهاً على أن هذين القسمين في اللزوم والاتصال دون القسم الأول . والله أعلم بمراده .