تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير الرازي — صفحة 40

مساهمون:

ص٤٠
الإقدام على ذلك الفعل كحاله إذا لم يوجد هذا التذكير والتحسين والتزيين . والعلم به ضروري ، وأما قول أبي هاشم فضعيف أيضاً لأنه إذا صار حصول هذا التذكير والتزيين حاصلاً للمرء على الإقدام على ذلك القبيح كان ذلك سعياً في إلقائه في المفسدة ، وما ذكره من خلق الزيادة في الشهوة ، فهو حجة أخرى لنا في أن الله تعالى لا يراعي المصلحة ، فكيف يمكنه أن يحتج به ؟ والذي يقرره غاية التقرير : أن لسبب حصول تلك الزيادة في الشهوة يقع في الكفر وعقاب الأبد ، ولو احترز عن تلك الشهوة فغايته أنه يزداد ثوابه من الله تعالى بسبب زيادة تلك المشقة وحصول هذه الزيادة من الثواب شيء لا حاجة إليه البتة ، إما دفع العقاب المؤبد فإليه أعظم الحاجات ، فلو كان إله العالم مراعياً لمصالح العباد لاستحال أن يهمل الأهم الأكمل الأعظم لطلب الزيادة التي لا حاجة إليها ولا ضرورة ، فثبت فساد هذه المذاهب وأنه لا يجب على الله تعالى شيء أصلاً . والله أعلم بالصواب . أما قوله تعالى : * ( ثم لآتينهم من بين أيديهم ومن خلفهم وعن أيمانهم وعن شمائلهم ولا تجد أكثرهم شاكرين ) * ففيه مسائل : المسألة الأولى : في ذكر هذه الجهات الأربع قولان : القول الأول : أن كل واحد منها مختص بنوع من الآفة في الدين . والقائلون بهذا القول ذكروا وجوهاً : أحدها : * ( ثم لآتينهم من بين أيديهم ) * يعني أشككهم في صحة البعث والقيامة * ( ومن خلفهم ) * ألقى إليهم أن الدنيا قديمة أزلية . وثانيها : * ( ثم لآتينهم من بين أيديهم ) * والمعنى أفترهم عن الرغبة في سعادات الآخرة * ( ومن خلفهم ) * يعني أقوى رغبتهم في لذات الدنيا وطيباتها وأحسنها في أعينهم ، وعلى هذين الوجهين فالمراد من قوله : * ( بين أيديهم ) * الآخرة لأنهم يردون عليها ويصلون إليها ، فهي بين أيديهم ، وإذا كانت الآخرة بين أيديهم كانت الدنيا خلفهم لأنهم يخلفونها . وثالثها : وهو قول الحاكم والسدي * ( من بين أيديهم ) * يعني الدنيا * ( ومن خلفهم ) * الآخرة ، وإنما فسرنا * ( بين أيديهم ) * بالدنيا ، لأنها بين يدي الإنسان يسعى فيها ويشاهدها ، وأما الآخرة فهي تأتي بعد ذلك . ورابعها : * ( من بين أيديهم ) * في تكذيب الأنبياء والرسل الذين يكونون حاضرين * ( ومن خلفهم ) * في تكذيب من تقدم من الأنبياء والرسل . وأما قوله : * ( وعن أيمانهم وعن شمائلهم ) * ففيه وجوه : أحدها : * ( عن أيمانهم ) * في الكفر والبدعة * ( وعن شمائلهم ) * في أنواع المعاصي . وثانيها : * ( عن أيمانهم ) * في الصرف عن الحق * ( وعن شمائلهم ) * في الترغيب في الباطل . وثالثها : * ( عن أيمانهم ) * يعني أفترهم عن الحسنات * ( وعن شمائلهم ) * أقوى دواعيهم في السيئات . قال ابن الأنباري : وقول من قال ، الإيمان كناية عن الحسنات