تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير الرازي — صفحة 41

مساهمون:

ص٤١
والشمائل عن السيئات . قول حسن ، لأن العرب تقول : اجعلني في يمينك ولا تجعلني في شمالك ، يريد اجعلني من المقدمين عندك ولا تجعلني من المؤخرين . وروى أبو عبيد عن الأصمعي أنه يقال : هو عندنا باليمين أي بمنزلة حسنة ، وإذا خبثت منزلته قال : أنت عندي بالشمال ، فهذا تلخيص ما ذكره المفسرون في تفسير هذه الجهات الأربع . أما حكماء الإسلام فقد ذكروا فيها وجوهاً أخرى . أولها : وهو الأقوى الأشرف أن في البدن قوى أربعاً ، هي الموجبة لقوات السعادات الروحانية ، فإحداها : القوة الخالية التي يجتمع فيها مثل المحسوسات وصورها . وهي موضوعة في البطن المقدم من الدماغ ، وصور المحسوسات إنما ترد عليها من مقدمها ، وإليه الإشارة بقوله : * ( من بين أيديهم ) * . والقوة الثانية : القوة الوهمية التي تحكم في غير المحسوسات بالأحكام المناسبة للمحسوسات ، وهي موضوعة في البطن المؤخر من الدماغ ، وإليها الإشارة بقوله : * ( ومن خلفهم ) * . والقوة الثالثة : الشهوة وهي موضوعة في الكبد وهي من يمين البدن . والقوة الرابعة : الغضب ، وهو موضوع في البطن الأيسر من القلب ، فهذه القوى الأربع هي التي تتولد عنها أحوال توجب زوال السعادات الروحانية والشياطين الخارجة ما لم تستعن بشيء من هذه القوى الأربع ، لم تقدر على إلقاء الوسوسة ، فهذا هو السبب في تعيين هذه الجهات الأربع ، وهو وجه حقيقي شريف . وثانيها : أن قوله : * ( لآتينهم من بين أيديهم ) * المراد منه الشبهات المبنية على التشبيه . أما في الذات والصفات مثل شبه المجسمة . وأما الأفعال : مثل شبه المعتزلة في التعديل والتخويف والتحسين والتقبيح * ( ومن خلفهم ) * المراد منه الشبهات الناشئة عن التعطيل ، وإنما جعلنا قوله : * ( من بين أيديهم ) * لشبهات التشبيه ، لأن الإنسان يشاهد هذه الجسمانيات وأحوالها ، فهي حاضرة بين يديه ، فيعتقد أن الغائب يجب أن يكون مساوياً لهذا الشاهد ، وإنما جعلنا قوله : * ( ومن خلفهم ) * كناية عن التعطيل ، لأن التشبيه عين التعطيل ، فلما جعلنا قوله : * ( من بين أيديهم ) * كناية عن التشبيه وجب أن نجعل قوله : * ( ومن خلفهم ) * كناية عن التعطيل . وأما قوله : * ( وعن أيمانهم ) * فالمراد منه الترغيب في ترك المأمورات * ( وعن شمائلهم ) * الترغيب في فعل المنهيات . وثالثها : نقل عن شقيق رحمه الله أنه قال : ما من صباح إلا ويأتيني الشيطان من الجهات الأربع ، من بين يدي ومن خلفي ، وعن يميني وعن شمالي . أما من بين يدي فيقول : لا تخف فإن الله غفور رحيم . فاقرأ * ( وإني لغفار لمن تاب وآمن وعمل صالحاً ) * ( طه : 82 ) وأما من خلفي : فيخوفني من وقوع أولادي في الفقر ، فاقرأ * ( وما من دابة في الأرض إلا على الله رزقها ) * ( هود : 6 ) وأما من قبل يميني : فيأتيني من قبل الثناء فاقرأ * ( والعاقبة للمتقين ) * ( والقصص : 83 ) وأما من قبل شمالي : فيأتيني من قبل الشهوات فاقرأ * ( وحيل بينهم وبين ما يشتهون ) * ( سبأ : 54 ) .