تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير الرازي — صفحة 37

مساهمون:

ص٣٧
لا يتفاوت حالهم بسبب هذا التعريف لا جرم ما كان ذلك التعريف إغراء بالقبيح فكذا ههنا ، والله أعلم . المسألة الثانية : قول إبليس : * ( فيما أغويتني ) * يدل على أنه أضاف إغواءه إلى الله تعالى ، وقوله في آية أخرى : * ( فبعزتك لأغوينهم أجمعين ) * ( ص : 82 ) يدل على أنه أضاف إغواء العباد إلى نفسه . فالأول : يدل على كونه على مذهب الجبر . والثاني : يدل على كونه على مذهب القدر ، وهذا يدل على أنه كان متحيراً في هذه المسألة ، أو يقال : أنه كان يعتقد أن الإغواء لا يحصل إلا بالمغوي فجعل نفسه مغوياً لغيره من الغاوين ، ثم زعم أن المغوي له هو الله تعالى قطعاً للتسلسل ، واختلف الناس في تفسير هذه الكلمة ، أما أصحابنا فقالوا : الإغواء إيقاع الغي في القلب ، والغي هو الاعتقاد الباطل وذلك يدل على أنه كان يعتقد أن الحق والباطل إنما يقع في القلب من الله تعالى . أما المعتزلة فلهم ههنا مقامان : أحدهما : أن يفسروا الغي بما ذكرناه . والثاني : أن يذكروا في تفسيره وجهاً آخر . أما الوجه الأول : فلهم فيه أعذار . الأول : أن قالوا هذا قول إبليس فهب أن إبليس اعتقد أن خالق الغي والجهل والكفر هو الله تعالى ، إلا أن قوله ليس بحجة . الثاني : قالوا : إن الله تعالى لما أمر بالسجود لآدم فعند ذلك ظهر غيه وكفره فجاز أن يضيف ذلك الغي إلى الله تعالى بهذا المعنى ، وقد يقول القائل : لا تحملني على ضربك أي لا تفعل ما أضر بك عنده . الثالث : * ( قال رب بما أغويتني لأقعدن لهم ) * والمعنى : إنك بما لعنتني بسبب آدم فإنا لأجل هذه العداوة ألقى الوساوس في قلوبهم . الرابع : * ( رب بما أغويتني ) * أي خيبتني من جنتك عقوبة على عملي لأقعدن لهم . الوجه الثاني : في تفسير الإغواء - الإهلاك - ومنه قوله تعالى : * ( فسوق يلقون غياً ) * ( مريم : 59 ) أي هلاكاً وويلاً ، ومنه أيضاً قولهم : غوى الفصيل يغوي غوى إذا أكثر من اللبن حتى يفسد جوفه ، ويشارف الهلاك والعطب ، وفسروا قوله : * ( إن كان الله يريد أن يغويكم ) * ( هود : 34 ) إن كان الله يريد أن يهلككم بعنادكم . الحق ، فهذه جملة الوجوه المذكورة . واعلم أنا لا نبالغ في بيان أن المراد من الإغواء في هذه الآية الإضلال ، لأن حاصله يرجع إلى قول إبليس وأنه ليس بحجة ، إلا أنا نقيم البرهان اليقيني على أن المغوي لإبليس هو الله تعالى ، وذلك لأن الغاوي لا بد له من مغو ، كما أن المتحرك لا بد له من محرك ، والساكن لا بد له من مسكن ، والمهتدي لا بد له من هاد . فلما كان إبليس غاوياً فلا بد له من مغوي ، والمغوي له إما أن يكون نفسه أو مخلوقاً آخر أو الله تعالى ، والأول : باطل . لأن العاقل لا يختار الغواية مع