تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير الرازي — صفحة 195

مساهمون:

ص١٩٥
والقول الثالث : وهو قول المعتزلة فإنهم يجوزون انخراق العادات وانقلابها عن مجاريها في بعض الصور دون بعض ، فأكثر شيوخهم يجوزون حدوث الإنسان دفعة واحدة لا عن الأبوين ، ويجوزون انقلاب الماء ناراً وبالعكس ، ويجوزون حدوث الزرع لا عن سابقة بذر . ثم قالوا إنه لا يجوز أن يكون الجوهر الفرد موصوفاً بالعلم والقدرة والحياة ، بل صحة هذه الأشياء مشروطة بحصول بنية مخصوصة ومزاج مخصوص ، وزعموا أن عند كون الحاسة سليمة وكون المرئي حاضراً وعدم القرب القريب والبعد البعيد يجب حصول الإدراك وعند فقدان أحد هذه الشروط يمتنع حصول الإدراك ، وبالجملة فالمعتزلة في بعض الصور لا يعتبرون مجاري العادات ويزعمون أن انقلابها ممكن وانخراقها جائز ، وفي سائر الصور يزعمون أنها واجبة ويمتنع زوالها وانقلابها ، وليس لهم بين الناس قانون مضبوط ولا ضابط معلوم ، فلا جرم كان قولهم أدخل الأقاويل في الفساد . إذا عرفت هذه التفاصيل فنقول : ذوات الأجسام متماثلة في تمام الماهية وكل ما صح على الشيء صح على مثله ، فوجب أن يصح على كل جسم ما صح على غيره ، فإذا صح على بعض الأجسام صفة من الصفات وجب أن يصح على كلها مثل تلك الصفة ، وإذا كان كذلك كان جسم العصا قابلاً للصفات التي باعتبارها تصير ثعباناً ، وإذا كان كذلك كان انقلاب العصا ثعباناً أمراً ممكناً لذاته ، وثبت أنه تعالى قادر على جميع الممكنات ، فلزم القطع بكونه تعالى قادراً على قلب العصا ثعباناً ، وذلك هو المطلوب ، وهذا الدليل موقوف على إثبات مقدمات ثلاث : إثبات أن الأجسام متماثلة في تمام الذات ، وإثبات أن حكم الشيء حكم مثله ، وإثبات أنه تعالى قادر على كل الممكنات ومتى قامت الدلالة على صحة هذه المقدمات الثلاثة فقد حصل المطلوب التام والله أعلم . قوله : : * ( فإذا هي ) * أي العصا وهي مؤنثة ، والثعبان الحية الضخمة الذكر في قول جميع أهل اللغة . فأما مقدارها فغير مذكور في القرآن ، ونقل عن المفسرين في صفتها أشياء ، فعن ابن عباس : إنها ملأت ثمانين ذراعاً ثم شدت على فرعون لتبتلعه فوثب فرعون عن سريره هارباً وأحدث ، وانهزم الناس ومات منهم خمسة وعشرون ألفاً . وقيل : كان بين لحييها أربعون ذراعاً ووضع لحيها الأسفل على الأرض ، والأعلى على سور القصر ، وصاح فرعون يا موسى خذها . فأنا أومن بك ، فلما أخذها موسى عادت عصا كما كانت ، وفي وصف ذلك الثعبان بكونه مبيناً وجوه : الأول : تمييز ذلك عما جاءت به السحرة من التمويه الذي يلتبس على من لا يعرف سببه ، وبذلك تتميز معجزات الأنبياء من الحيل والتمويهات . والثاني : في المراد أنهم شاهدوا كونه حية لم يشتبه الأمر عليهم فيه . الثالث : المراد أن ذلك الثعبان أبان قول موسى عليه السلام عن قول المدعي الكاذب .