تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير الرازي — صفحة 193

مساهمون:

ص١٩٣
الواحدة والحية الواحدة من الشعير ، ولو جوز ذلك لجوزناه في هذا الإنسان الذي نشاهده الآن أنه إنما حدث الآن دفعة واحدة لا من الأبوين ، ولجوزنا في زيد الذي نشاهده الآن أنه ليس هو زيد الذي شاهدناه بالأمس ، بل هو شخص آخر حدث الآن دفعة واحدة ، ومعلوم أن من فتح على نفسه أبواب هذه التجويزات فإن جمهور العقلاء يحكمون عليه بالخبل والعته والجنون ، ولأن لو جوزنا ذلك لجوزنا أن يقال : إن الجبال انقلبت ذهباً ومياه البحار انقلبت دماً ، ولجوزنا في التراث الذي كان في مزبلة البيت أنه انقلب دقيقاً ، وفي الدقيق الذي كان في البيت أنه نقلب تراباً . وتجويز أمثال هذه الأشياء مما يبطل العلوم الضرورية ويوجب دخول الإنسان في السفسطة ، وذلك باطل قطعاً . فما يفضي إليه كان أيضاً باطلاً . فإن قال قائل : تجويز أمثال هذه الأشياء مختص بزمان دعوة الأنبياء ، وهذا لزمان ليس كذلك . فقد حصل الأمان في هذا الزمان عن تجويز هذه الأحوال . فالجواب عنه من وجوه : الأول : أن هذا التجويز إذا كان قائماً في الجملة كان تخصيص هذا التجويز بزمان دون زمان مما لا يعرف إلا بدليل غامض . فكان يلزم أن يكون الجاهل بذلك الدليل الغامض جاهلاً باختصاص ذلك التجويز بذلك الزمان المعين . فكان يلزم من جمهور العقلاء الذين لا يعرفون ذلك الدليل الغامض أن يجوزوا كل ما ذكرناه من الجهات وأن لا يكونوا قاطعين بامتناع وقوعها ، وحيث نراهم قاطعين بامتناع وقوعها علمنا أن ما ذكرتموه فاسد . والثاني : أنا لو جوزنا أمثال هذه الأحوال في زمان دعوة النبوة فإنه يبطل أيضاً به القول بصحة النبوة ، فإنه إذا جاز أن تنقلب العصا ثعباناً ، جاز في الشخص الذي شاهدناه أنه ليس هو الشخص الأول ، بل الله أعدم الشخص الأول دفعة واحدة ، وأوجد شخصاً آخر يساويه في جميع الصفات . وعلى هذا التقدير فلا يمكننا أن نعلم أن هذا الذي نراه الآن هو الذي رأيناه بالأمس . وحينئذ يلزم وقوع الشك في الذين رأوا موسى وعيسى ومحمداً عليهم السلام أن ذلك الشخص هل هو الذي رأوه بالأمس أم لا ؟ ومعلوم أن تجويزه يوجب القدح في النبوة والرسالة . والثالث : وهو أن هذا الزمان وإن لم لكن زمان جواز المعجزات إلا أنه زمان جواز الكرامات عندكم . فيلزمكم تجويزه ، فهذا جملة الكلام في هذا المقام . واعلم أن القول بتجويز انقلاب العادات عن مجاريها صعب مشكل ، والعقلاء اضطربوا فيه وحصل لأهل العلم فيه ثلاثة أقوال : القول الأول : قول من يجوز ذلك على الإطلاق وهو قول أصحابنا ، وذلك لأنهم جوزوا