تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير الرازي — صفحة 197

مساهمون:

ص١٩٧
فتلقنه الملأ منه فقالوه لغيره أو قالوه عنه لسائر الناس على طريق التبليغ ، فإن الملوك إذا رأوا رأياً ذكروه للخاصة وهم يذكرونه للعامة ، فكذا ههنا . وأما قوله : * ( فماذا تأمرون ) * فقد ذكر الزجاج فيه ثلاثة أوجه : الأول : أن كلام الملأ من قوم فرعون تم عند قوله : * ( يريد أن يخرجكم من أرضكم بسحره ) * ثم عند هذا الكلام قال فرعون مجيباً لهم : * ( فماذا تأمرون ) * واحتجوا على صحة هذا القول بوجهين : أحدهما : أن قوله : * ( فماذا تأمرون ) * خطاب للجمع لا للواحد ، فيجب أن يكون هذا كلام فرعون للقوم . أما لو جعلناه كلام القوم مع فرعون لكانوا قد خاطبوه بخطاب الواحد لا بخطاب الجمع . وأجيب عنه : بأنه يجوز أن يكونوا خاطبوه بخطاب الجمع تفخيماً لشأنه ، لأن العظيم إنما يكنى عنه بكناية الجمع كما في قوله تعالى : * ( إنا نحن نزلنا الذكر ) * ( الحجر : 9 ) * ( إنا أرسلنا نوحاً ) * ( نوح : 1 ) * ( إنا أنزلناه في ليلة القدر ) * ( القدر : 1 ) . والحجة الثانية : أنه تعالى لما ذكر قوله : * ( فماذا تأمرون ) * قال بعده : * ( قالوا أرجه ) * ولا شك أن هذا كلام القوم ، وجعله جواباً عن قولهم : * ( فماذا تأمرون ) * فوجب أن يكون القائل لقوله : * ( فماذا تأمرون ) * غير الذي قالوا أرجه ، وذلك يدل على أن قوله : * ( فماذا تأمرون ) * كلام لغير الملأ من قوم فرعون . وأجيب عنه : بأنه لا يبعد أن القوم قالوا : * ( إن هذا لساحر عليم ) * ثم قالوا لفرعون ولأكابر خدمه * ( فماذا تأمرون ) * ثم أتبعوه بقولهم : * ( أرجه وأخاه ) * فإن الخدم والأتباع يفوضون الأمر والنهي إلى المخدوم والمتبوع أولاً ، ثم يذكرون ما حضر في خواطرهم من المصلحة . والقول الثاني : أن قوله : * ( فماذا تأمرون ) * من بقية كلام القوم ، واحتجوا عليه بوجهين : الأول : أنه منسوق على كلام القوم من غير فاصل ، فوجب أن يكون ذلك من بقية كلامهم . والثاني : أن الرتبة معتبرة في الأمر ، فوجب أن يكون قوله : * ( فماذا تأمرون ) * خطاباً من الأدنى مع الأعلى ، وذلك يوجب أن يكون هذا من بقية كلام فرعون معه . وأجيب عن هذا الثاني : بأن الرئيس المخدوم قد يقول للجمع الحاضر عنده من رهطه ورعيته ماذا تأمرون ؟ ويكون غرضه منه تطييب قلوبهم وإدخال السرور في صدورهم وأن يظهر من نفسه كونه معظماً لهم ومعتقداً فيهم ، ثم إن القائلين بأن هذا من بقية كلام قوم فرعون ذكروا وجهين : أحدهما : أن المخاطب بهذا الخطاب هو فرعون وحده ، فإنه يقال للرئيس المطاع ما ترون في هذه الواقعة ؛ أي ما ترى أنت وحدك ، والمقصود أنك وحدك قائم مقام الجماعة . والغرض منه التنبيه على كماله ورفعة شأنه وحاله . والثاني : أن يكون المخاطب بهذا الخطاب هو فرعون وأكابر دولته وعظماء حضرته ، لأنهم هم المستقلون بالأمر والنهي ، والله أعلم .
تفسير الرازي — صفحة 197 | فخر الدين الرازي