واعلم أنه تعالى حكى عنه أنه أمرهم بعبادة الله ونهاهم عن عبادة غير الله كما ذكره من قبله من الأنبياء .
ثم قال : * ( قد جاءتكم بينة من ربكم ) * وهذه الزيادة مذكورة في هذه القصة ، وهي تدل على أن كل من كان قبله من الأنبياء كانوا يذكرون الدلائل على صحة التوحيد والنبوة ، لأن التقليد وحده لو كان كافياً لكانت تلك البينة ههنا لغواً ، ثم بين أن تلك البينة هي الناقة فقال : * ( هذه ناقة الله لكم آية ) * وفيه مسائل :
المسألة الأولى : ذكروا أنه تعالى لما أهلك عاداً قام ثمود مقامهم ، وطال عمرهم وكثر تنعمهم ، ثم عصوا الله ، وعبدوا الأصنام ، فبعث الله إليهم صالحاً وكان منهم ، فطالبوه بالمعجزة . فقال : ما تريدون . فقالوا : تخرج معنا في عيدنا ، ونخرج أصنامنا وتسأل إلهك ونسأل أصنامنا ، فإذا ظهر أثر دعائك اتبعناك ، وإن ظهر أثر دعائنا اتبعتنا ، فخرج معهم فسألوه أن يخرج لهم ناقة كبيرة من صخرة معينة ، فأخذ مواثيقهم أنه إن فعل ذلك آمنوا فقبلوا ، فصلى ركعتين ودعا الله فتمخضت تلك الصخرة كما تتمخض الحامل ، ثم انفرجت وخرجت الناقة من وسطها ، وكانت في غاية الكبر وكان الماء عندهم قليلاً فجعلوا ذلك الماء بالكلية شرباً لها في يوم ، وفي اليوم الثاني شرباً لكل القوم قال السدي : وكانت الناقة في اليوم التي تشرب فيه الماء تمر بين الجبلين فتعلوهما ثم تأتي فتشرب فتحلب ما يكفي الكل ، وكأنها كانت تصب اللبن صباً ، وفي اليوم الذي يشربون الماء فيه لا تأتيهم وكان معها فصيل لها . فقال لهم صالح : يولد في شهركم هذا غلام يكون هلاككم على يديه ، فذبح تسعة نفر منهم أبناءهم ، ثم ولد العاشر فأبى أن يذبحه أبوه ، فنبت نباتاً سريعاً ، ولما كبر الغلام جلس مع قوم يصيبون من الشراب ، فأرادوا ماء يمزجونه به ، وكان يوم شرب الناقة فما وجدوا الماء ، واشتد ذلك عليهم ، فقال الغلام : هل لكم في أن أعقر هذه الناقة ؟ فشد عليها ، فلما بصرت به شدت عليه ، فهرب منها إلى خلف صخرة فأحاشوها عليه ، فلما مرت به تناولها فعثرها فسقطت . فذلك قوله : * ( فنادوا صاحبهم فتعاطى فعقر ) * وأظهروا حينئذ كفرهم وعتوا من أمر ربهم ، فقال لهم صالح : إن آية العذاب أن تصبحوا غداً حمراً ، واليوم الثاني صفراً ، واليوم الثالث سوداً ، فلما صبحهم العذاب تحنطوا واستعدوا .
إذا عرفت هذا فنقول : اختلف العلماء في وجه كون الناقة آية . فقال بعضهم : إنها كانت آية بسبب خروجها بكمالها من الصخرة . قال القاضي : هذا إن صح فهو معجز من جهات : أحدها : خروجها من الجبل ، والثانية : كونها لا من ذكر وأنثى ، والثالثة : كمال خلقها من غير تدريج .
والقول الثاني : أنها إنما كانت آية لأجل أن لها شرب يوم ، ولجميع ثمود شرب يوم ، واستيفاء ناقة شرب أمة من الأمم عجيب ، وكانت مع ذلك تأتي بما يليق بذلك الماء من
تفسير الرازي — صفحة 162
مساهمون: فخر الدين الرازي
ص١٦٢