تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير الرازي — صفحة 135

مساهمون:

ص١٣٥
في الثواب لم تصح عبادته ، وذلك لأن المتكلمين فريقان : منهم من قال التكاليف إنما وردت بمقتضى الإلهية والعبودية ، فكونه إلهاً لنا وكوننا عبيداً له يقتضي أن يحسن منه أن يأمر عبيده بما شاء كيف شاء ، فلا يعتبر منه كونه في نفسه صلاحاً وحسناً ، وهذا قول أهل السنة . ومنهم من قال : التكليف إنما وردت لكونها في أنفسها مصالح ؛ وهذا هو قول المعتزلة . إذا عرفت هذا فنقول : أما على القول الأول : فوجه وجوب بعض الأعمال ، وحرمة بعضها مجرد أمر الله بما أوجبه . ونهيه عما حرمه ، فمن أتى بهذه العبادات صحت . أما من أتى بها خوفاً من العقاب ، أو طمعاً في الثواب ، وجب أن لا يصح ، لأنه ما أتى بها لأجل وجه وجوبها ، وأما على القول الثاني : فوجه وجوبها هو كونها في أنفسها مصالح ، فمن أتى بها للخوف من العقاب ، أو للطمع في الثواب فلم يأت بها لوجه وجوبها ، فوجب أن لا تصح ، فثبت أن على كلا المذهبين من أتى بالدعاء وسائر العبادات لأجل الخوف من العقاب ، والطمع في الثواب ، وجب أن لا يصح . إذا ثبت هذا فنقول : ظاهر قوله : * ( وادعوه خوفاً وطمعاً ) * يقتضي أنه تعالى أمر المكلف بأن يأتي بالدعاء لهذا الغرض ، وقد ثبت بالدليل فساده ، فكيف طريق التوفيق بين ظاهر هذه الآية وبين ما ذكرناه من المعقول . والجواب : ليس المراد من الآية ما ظننتم ، بل المراد : وادعوه مع الخوف من وقوع التقصير ، في بعض الشرائط المعتبرة في قبول ذلك الدعاء ، ومع الطمع في حصول تلك الشرائط بأسرها ، وعلى هذا التقدير فالسؤال زائل ؟ السؤال الثالث : هل تدل هذه الآية على أن الداعي لا بد وأن تحصل في قلبه هذا الخوف والطمع ؟ والجواب : أن العبد لا يمكنه أن يقطع بكونه آتياً بجميع الشرائط المعتبرة في قبول الدعاء ، ولأجل هذا المعنى يحصل الخوف ، وأيضاً لا يقطع بأن تلك الشرائط مفقودة ، فوجب كونه طامعاً في قبولها فلا جرم . قلنا : بأن الداعي لا يكون داعياً إلا إذا كان كذلك فقوله : * ( خوفاً وطمعاً ) * أي أن تكونوا جامعين في نفوسكم بين الخوف والرجاء في كل أعمالكم ، ولا تقطعوا أنكم وإن اجتهدتم فقد أديتم حق ربكم . ويتأكد هذا بقوله : * ( يؤتون ما آتوا وقلوبهم وجلة ) * ( المؤمنون : 60 ) . ثم قال تعالى : * ( إن رحمة الله قريب من المحسنين ) * وفيه مسائل : المسألة الأولى : اختلفوا في أن الرحمة عبارة عن إيصال الخير والنعمة أو عن إرادة
تفسير الرازي — صفحة 135 | فخر الدين الرازي