تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير الرازي — صفحة 122

مساهمون:

ص١٢٢
فحصل له بهذا الطريق إثبات الصانع تعالى وصار من زمرة المستدلين ، ومنهم من ضم إلى تلك الدرجة البحث عن أحوال العالم العلوي والعالم السفلي على سبيل التفصيل فيظهر له في كل نوع من أنواع هذا العالم حكمة بالغة وأسرار عجيبة ، فيصير ذلك جارياً مجرى البراهين المتواترة والدلائل المتوالية على عقله ، فلا يزال ينتقل كل لحظة ولمحة من برهان إلى برهان آخر ، ومن دليل إلى دليل آخر ، فلكثرة الدلائل وتواليها أثر عظيم في تقوية اليقين وإزالة الشبهات . فإذا كان الأمر كذلك ظهر أنه تعالى إنما أنزل هذا الكتاب لهذه الفوائد والأسرار لا لتكثير النحو الغريب والاشتقاقات الخالية عن الفوائد والحكايات الفاسدة ، ونسأل الله العون والعصمة . المسألة الرابعة : الأمر المذكور في قوله : * ( مسخرات بأمره ) * قد فسرناه بما سبق ذكره ، وأما المفسرون فلهم فيه وجوه : أحدها : المراد نفاذ إرادته لأن الغرض من هذه الآية تبيين عظمته وقدرته ، وليس المراد من هذا الأمر الكلام ، ونظيره في قوله تعالى : * ( فقال لها وللأرض ائتيا طوعاً أو كرهاً قالتا أتينا طائعين ) * ( فصلت : 11 ) وقوله : * ( إنما قولنا لشيء إذا أردناه أن نقول له كن فيكون ) * ( النحل : 40 ) ومنهم من حمل هذا الأمر على الأمر الثاني الذي هو الكلام ، وقال : إنه تعالى أمر هذه الأجرام بالسير الدائم والحركة المستمرة . المسألة الخامسة : أن الشمس والقمر من النجوم فذكرهما ثم عطف على ذكرهما ذكر النجوم والسبب في إفرادهما بالذكر أنه تعالى جعلهما سبباً لعمارة هذا العالم ، والاستقصاء في تقريره لا يليق بهذا الموضع ، فالشمس سلطان النهار ، والقمر سلطان الليل ، والشمس تأثيرها في التسخين والقمر تأثيره في الترطيب ، وتولد المواليد الثلاثة أعني المعادن والنبات والحيوان لا يتم ولا يكمل إلا بتأثير الحرارة في الرطوبة . ثم إنه تعالى خص كل كوكب بخاصة عجيبة وتدبير غريب لا يعرفه بتمامه إلا الله تعالى ، وجعله معيناً لهما في تلك التأثيرات والمباحث المستقصاة في علم الهيئة تدل على أن الشمس كالسلطان ، والقمر كالنائب ، وسائر الكواكب كالخدم ، فلهذا السبب بدأ الله سبحانه بذكر الشمس وثنى القمر ثم أتبعه بذكر سائر النجوم . أما قوله تعالى : * ( ألا له الخلق والأمر ) * ففيه مسائل : المسألة الأولى : احتج أصحابنا بهذه الآية على أنه لا موجد ولا مؤثر إلا الله سبحانه والدليل عليه أن كل من أوجد شيئاً وأثر في حدوث شيء . فقد قدر على تخصيص ذلك الفعل بذلك الوقت فكان خالقاً ، ثم الآية دلت على أنه لا خالق إلا الله لأنه قال : * ( ألا له الخلق والأمر ) * وهذا يفيد الحصر بمعنى أنه لا خالق إلا الله ، وذلك يدل على أن كل أمر يصدر عن فلك أو ملك أو جني أو إنسي ، فخالق
تفسير الرازي — صفحة 122 | فخر الدين الرازي