تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير الرازي — صفحة 60

مساهمون:

ص٦٠
المسألة الثانية : في تفسير قول النصارى * ( ثالث ثلاثة ) * طريقان : الأول : قول بعض المفسرين ، وهو أنهم أرادوا بذلك أن الله ومريم وعيسى آلهة ثلاثة ، والذي يؤكد ذلك قوله تعالى للمسيح * ( أأنت قلت للناس اتخذوني وأمي إلهين من دون الله ) * ( المائدة : 116 ) فقوله * ( ثالث ثلاثة ) * أي أحد ثلاثة آلهة ، أو واحد من ثلاثة آلهة ، والدليل على أن المراد ذلك قوله تعالى في الرد عليهم * ( وما من إله إلا إله واحد ) * وعلى هذا التقدير ففي الآية إضمار ، إلا أنه حذف ذكر الآلهة لأن ذلك معلوم من مذاهبهم ، قال الواحدي ولا يكفر من يقول : إن الله ثالث ثلاثة إذا لم يرد به ثالث ثلاثة آلهة ، فإنه ما من شيئين إلا والله ثالثهما بالعلم ، لقوله تعالى : * ( ما يكون من نجوى ثلاثة إلا هو رابعهم ولا خمسة إلا هو سادسهم ) * ( المجادلة : 7 ) . والطريق الثاني : أن المتكلمين حكوا عن النصارى أنهم يقولون : جوهر واحد ، ثلاثة أقانيم أب ، وابن ، وروح القدس ، وهذه الثلاثة إله واحد ، كما أن الشمس اسم يتناول القرص والشعاع والحرارة ، وعنوا بالأب الذات ، وبالابن الكلمة ، وبالروح الحياة ، وأثبتوا الذات والكلمة والحياة ، وقالوا : إن الكلمة التي هي كلام الله اختلطت بجسد عيسى عيسى اختلاط الماء بالخمر ، واختلاط الماء باللبن ، وزعموا أن الأب إله ، والابن إله ، والروح إله ، والكل إله واحد . واعلم أن هذا معلوم البطلان ببديهة العقل ، فإن الثلاثة لا تكون واحداً ، والواحد لا يكون ثلاثة ، ولا يرى في الدنيا مقالة أشد فساداً وأظهر بطلاناً من مقالة النصارى . ثم قال تعالى : * ( وما من إله إلا إله واحد ) * في * ( من ) * قولان : أحدهما : أنها صلة زائدة والتقدير : وما إله إلا إله واحد ، والثاني : أنها تفيد معنى الاستغراق ، والتقدير : وما في الوجود من هذه الحقيقة إلا فرد واحد . ثم قال تعالى : * ( وإن لم ينتهوا عما يقولون ليمسن الذين كفروا منهم عذاب أليم ) * قال الزجاج : معناه : ليمسن الذين أقاموا على هذا الدين ؛ لأن كثيراً منهم تابوا عن النصرانية . ثم قال تعالى : * ( أَفَلاَ يَتُوبُونَ إِلَى اللَّهِ وَيَسْتَغْفِرُونَهُ واَللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ ) * . قال الفرّاء : هذا أمر في لفظ الاستفهام كقوله * ( فهل أنتم منتهون ) * ( المائدة : 91 ) في آية تحريم الخمر .
تفسير الرازي — صفحة 60 | فخر الدين الرازي