تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير الرازي — صفحة 61

مساهمون:

ص٦١
ثم قال تعالى * ( مَّا الْمَسِيحُ بْنُ مَرْيَمَ إِلاَّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ الرُّسُلُ وَأُمُّهُ صِدِّيقَةٌ كَانَا يَأْكُلاَنِ الطَّعَامَ انْظُرْ كَيْفَ نُبَيِّنُ لَهُمُ الاَْيَاتِ ثُمَّ انْظُرْ أَنَّى يُؤْفَكُونَ ) * . ثم قال تعالى : * ( ما المسيح بن مريم إلا رسول قد خلت من قبله الرسل وأمه صديقة ) * أي ما هو إلا رسول من جنس الرسل الذين خلوا من قبله جاء بآيات من الله كما أتوا بأمثالها ، فإن كان الله أبرأ الأكمه والأبرص وأحيا الموتى على يده فقد أحيا العصا وجعلها حية تسعى وفلق على يد موسى ، وإن كان خلقه من غير ذكر فقد خلق آدم من غير ذكر ولا أنثى * ( وأمه صديقة ) * وفي فسير ذلك وجوه : أحدها : أنها صدقت بآيات ربها وبكل ما أخبر عنه ولدها . قال تعالى في صفتها * ( وصدقت بكلمات ربها وكتبه ) * ( التحريم : 12 ) وثانيها : أنه تعالى قال : * ( فأرسلنا إليها روحنا فتمثل لها بشراً سوياً ) * ( مريم : 17 ) فلما كلمها جبريل وصدقته وقع عليها اسم الصديقة ، وثالثها : أن المراد بكونها صديقة غاية بعدها عن المعاصي وشدة جدها واجتهادها في إقامة مراسم العبودية ، فإن الكامل في هذه الصفة يسمى صديقاً قال تعالى : * ( فأولئك مع الذين أنعم الله عليهم من النبيّين والصديقين ) * ( النساء : 69 ) . ثم قال تعالى : * ( كانا يأكلان الطعام ) * . واعلم أن المقصود من ذلك : الاستدلال على فساد قول النصارى ، وبيانه من وجوه : الأول : أن كل من كان له أم فقد حدث بعد أن لم يكن ، وكل من كان كذلك كان مخلوقاً لا إلهاً ، والثاني : أنهما كانا محتاجين ، لأنهما كانا محتاجين إلى الطعام أشد الحاجة ، والإله هو الذي يكون غنياً عن جميع الأشياء ، فكيف يعقل أن يكون إلهاً . الثالث : قال بعضهم : إن قوله * ( كانا يأكلان الطعام ) * كناية عن الحدث لأن من أكل الطعام فإنه لا بدّ وأن يحدث ، وهذا عندي ضعيف من وجوه : الأول : أنه ليس كل من أكل أحدث ، فإن أهل الجنة يأكلون ولا يحدثون . الثاني : أن الأكل عبارة عن الحاجة إلى الطعام ، وهذه الحاجة من أقوى الدلائل على أنه ليس بإله ، فأي حاجة بنا إلى جعله كناية عن شيء آخر . الثالث : أن الإله هو القادر على الخلق والايجاد ، فلو كان إلهاً لقدر على دفع ألم الجوع عن نفسه بغير الطعام والشراب ، فما لم يقدر على دفع الضرر عن نفسه كيف يعقل أن يكون إلهاً للعالمين ، وبالجملة ففساد قول النصارى أظهر من أن يحتاج فيه إلى دليل . ثم قال تعالى : * ( انظر كيف نبين لهم الآيات ثم انظر أنى يؤفكون ) * يقال : أفكه يأفكه إفكاً إذا صرفه ، والإفك الكذب لأنه صرف عن الحق ، وكل مصروف عن الشيء مأفوك عنه ، وقد