تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير الرازي — صفحة 193

مساهمون:

ص١٩٣
تكذيبه فقد سبق تقريره . وأما قراءة ابن عامر وهي أنه كان يرفع * ( ولا نكذب ) * وينصب * ( ونكون ) * فالتقدير : أنه يجعل قوله * ( ولا نكذب ) * داخلاً في التمني ، بمعنى أنا إن رددنا غير مكذبين نكن من المؤمنين والله أعلم . المسألة الثالثة : قوله * ( فقالوا يا ليتنا نرد ولا نكذب ) * لا شبهة في أن المراد تمني ردهم إلى حالة التكليف لأن لفظ الرد إذا استعمل في المستقبل من حال إلى حال ، فالمفهوم منه الرد إلى الحالة الأولى . والظاهر أن من صدر منه تقصير ثم عاين الشدائد والأحوال بسبب ذلك التقصير أنه يتمنى الرد إلى الحالة الأولى ، ليسعى في إزالة جميع وجوه التقصيرات . ومعلوم أن الكفار قصروا في دار الدنيا فهم يتمنون العود إلى الدنيا لتدارك تلك التقصيرات ، وذلك التدارك لا يحصل بالعود إلى الدنيا فقط ، ولا بترك التكذيب ، ولا بعمل الإيمان بل إنما يحصل التدارك بمجموع هذه الأمور الثلاثة فوجب إدخال هذه الثلاثة تحت التمني . فإن قيل : كيف يحسن منهم تمني الرد مع أنهم يعلمون أن الرد يحصل لا البتة . والجواب من وجوه : الأول : لعلّهم لم يعلموا أن الرد لا يحصل . والثاني : أنهم وإن علموا أن ذلك لا يحصل ؛ إلا أن هذا العلم لا يمنع من حصول إرادة الرد كقوله تعالى : * ( يريدون أن يخرجوا من النار ) * ( المائدة : 37 ) وكقوله * ( أن أفيضوا علينا من الماء أو مما رزقكم الله ) * ( الأعراف : 50 ) فلما صح أن يريدوا هذه الأشياء مع العلم بأنها لا تحصل ، فبأن يتمنوه أقرب ، لأن باب التمني أوسع ، لأنه يصح أن يتمنى ما لا يصح أن يريد من الأمور الثلاثة الماضية . ثم قال تعالى : * ( بل بدا لهم ما كانوا يخفون من قبل ) * وفيه مسائل : المسألة الأولى : معنى * ( بل ) * ههنا رد كلامهم ، والتقدير : أنهم ما تمنوا العود إلى الدنيا ، وترك التكذيب ، وتحصيل الإيمان لأجل كونهم راغبين في الإيمان ، بل لأجل خوفهم من العقاب الذي شاهدوه وعاينوه . وهذا يدل على أن الرغبة في الإيمان والطاعة لا تنفع إلا إذا كانت تلك الرغبة رغبة فيه ، لكونه إيماناً وطاعة ، فأما الرغبة فيه لطلب الثواب ، والخوف من العقاب فغير مفيد . المسألة الثانية : المراد من الآية : أنه طهر لهم في الآخرة ما أخفوه في الدنيا . وقد اختلفوا في ذلك الذي أخفوه على وجوه : الأول : قال أبو روق : إن المشركين في بعض مواقف القيامة يجحدون الشرك فيقولون * ( والله ربنا ما كنا مشركين ) * فينطق الله جوارحهم فتشهد عليهم بالكفر ، فذلك حين بدا لهم ما كانوا يخفون من قبل . قال الواحدي : وعلى هذا القول أهل التفسير . الثاني :
تفسير الرازي — صفحة 193 | فخر الدين الرازي