تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير الرازي — صفحة 191

مساهمون:

ص١٩١
المسألة الثانية : قوله * ( وقفوا ) * يقال وقفته وقفاً ، ووقفته وقوفاً كما يقال رجعته رجوعاً . قال الزجاج : ومعنى * ( وقفوا على النار ) * يحتمل ثلاثة أوجه : الأول : يجوز أن يكون قد وقفوا عندها وهم يعاينونها فهم موقوفون على أن يدخلوا النار . والثاني : يجوز أن يكونوا وقفوا عليها وهي تحتهم ، بمعنى أنهم وقفوا فوق النار على الصراط ، وهو جسر فوق جهنم . والثالث : معناه عرفوا حقيقتها تعريفاً من قولك وقفت فلاناً على كلام فلان ؛ أي علمته معناه وعرفته ، وفيه وجه رابع : وهم أنهم يكونون في جوف النار ، وتكون النار محيطة بهم ، ويكونون غائصين فيها وعلى هذا التقدير فقد أقيم ( على ) مقام ( في ) وإنما صح على هذا التقدير ، أن يقال : وقفوا على النار ، لأن النار دركات وطبقات ، وبعضها فوق بعض فيصح هناك معنى الاستعلاء . فإن قيل : فلماذا قال * ( ولو ترى ) * ؟ وذلك يؤذن بالاستقبال ثم قال بعده إذ وقفوا وكلمة * ( إذ ) * للماضي ثم قال بعده ، فقالوا وهو يدل على الماضي . قلنا : أن كلمة ( إذ تقام مقام ( إذا ) إذا أراد المتكلم المبالغة في التكرير والتوكيد ، وإزالة الشبهة لأن الماضي قد وقع واستقر ، فالتعبير عن المستقبل باللفظ الموضوع للماضي ، يفيد المبالغة من هذا الاعتبار . المسألة الثالثة : قال الزجاج : الإمالة في النار حسنة جيدة ، لأن ما بعد الألف مكسور وهو حرف الراء ، كأنه تكرر في اللسان فصارت الكسرة فيه كالكسرتين . أما قوله تعالى : * ( فقالوا يا ليتنا نرد ولا نكذب بآيات ربنا ونكون من المؤمنين ) * ففيه مسائل : المسألة الأولى : قوله * ( يا ليتنا نرد ) * يدل على أنهم قد تمنوا أن يردوا إلى الدنيا . فأما قوله * ( ولا نكذب بآيات ربنا ونكون من المؤمنين ) * ففيه قولان : أحدهما : أنه داخل في التمني والتقدير أنهم تمنوا أن يردوا إلى الدنيا ولا يكونوا مكذبين وأن يكونوا مؤمنين . فإن قالوا هذا باطل لأنه تعالى حكم عليهم بكونهم كاذبين بقوله في آخر الآية * ( وإنهم لكاذبون ) * والمتمني لا يوصف بكونه كاذباً . قلنا : لا نسلم أن المتمني لا يوصف بكونه كاذباً لأن من أظهر التمني ، فقد أخبر ضمناً كونه مريداً لذلك الشيء فلم يبعد تكذيبه فيه ، ومثاله أن يقول الرجل : ليت الله يرزقني مالاً فأحسن إليك ، فهذا تمن في حكم الوعد ، فلو رزق مالاً ولم يحسن إلى صاحبه لقيل إنه كذب في وعده .