تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير الرازي — صفحة 192

مساهمون:

ص١٩٢
القول الثاني : أن التمني تمّ عند قوله * ( يا ليتنا نرد ) * وأما قوله * ( ولا نكذب بآيات ربنا ونكون من المؤمنين ) * فهذا الكلام مبتدأ وقوله تعالى في آخر الآية * ( وإنهم لكاذبون ) * عائد إليه وتقدير الكلام يا ليتنا نرد ، ثم قالوا ولو رددنا لم نكذب بالدين وكنا من المؤمنين ، ثم إنه تعالى كذبهم وبيّن أنهم لو ردوا لكذبوا ولأعرضوا عن الإيمان . المسألة الثانية : قرأ ابن عامر نرد ونكذب بالرفع في الثلاثة ، فحصل من هذا أنهم اتفقوا على الرفع في قوله * ( نرد ) * وذلك لأنه داخلة في التمني لا محالة ، فأما الذين رفعوا قوله * ( ولا نكذب . ونكون ) * ففيه وجهان : الأول : أن يكون معطوفاً على قوله * ( نرد ) * فتكون الثلاثة داخل في التمني ، فعلى هذا قد تمنوا الرد وأن لا يكذبوا وأن يكونوا من المؤمنين . والوجه الثاني : أن يقطع ولا نكذب وما بعده عن الأول ، فيكون التقدير : يا ليتنا نرد ونحن لا نكذب بآيات ربنا ونكون من المؤمنين ، فهم ضمنوا أنهم لا يكذبون بتقدير حصول الرد . والمعنى يا ليتنا نرد ونحن لا نكذب بآيات ربنا رددنا أو لم نرد أي قد عاينا وشاهدنا ما لا نكذب معه أبداً . قال سيبويه : وهو مثل قولك دعني ولا أعود ، فههنا المطلوب بالسؤال تركه . فأما أنه لا يعود فغير داخل في الطلب ، فكذا هنا قوله * ( يا ليتنا نرد ) * الداخل في هذا التمني الرد ، فأما ترك التكذيب وفعل الإيمان فغير داخل في التمني ، بل هو حاصل سواء حصل الرد أو لم يحصل ، وهذان الوجهان ذكرهما الزجاج والنحويون قالوا : الوجه الثاني أقوى ، وهو أن يكون الرد داخلاً في التمني ، ويكون ما بعده إخباراً محضاً . واحتجوا عليه بأن الله كذبهم في الآية الثانية فقال : * ( وإنهم لكاذبون ) * والمتمني لا يجوز تكذيبه ، وهذا اختيار أبي عمرو . وقد احتج على صحة قوله بهذه الحجة ، إلا أنا قد أجبنا عن هذه الحجة ، وذكرنا أنها ليست قوية ، وأما من قرأ * ( ولا نكذب . ونكون ) * بالنصب ففيه وجوه : الأول : بإضمار ( أن ) على جواب التمني ، والتقدير : يا ليتنا نرد وأن لا نكذب . والثاني : أن تكون الواو مبدلة من الفاء ، والتقدير : يا ليتنا نرد فلا نكذب ، فتكون الواو ههنا بمنزلة الفاء في قوله * ( لو أن لي كرة فأكون من المحسنين ) * ( الزمر : 58 ) ويتأكد هذا الوجه بما روي أن ابن مسعود كان يقرأ * ( فلا نكذب ) * بالفاء على النصب ، والثالث : أن يكون معناه الحال ، والتقدير : يا ليتنا نرد غير مكذبين ، كما تقول العرب - لا تأكل السمك وتشرب اللبن - أي لا تأكل السمك شارباً للبن . واعلم أن على هذه القراءة تكون الأمور الثلاثة داخلة في التمني . وأما أن المتن كيف يجوز
تفسير الرازي — صفحة 192 | فخر الدين الرازي