تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير الرازي — صفحة 189

مساهمون:

ص١٨٩
هذا اللسان العربي إلا أنا لا نعرف كيفية تصنيف الكتب وتأليفها ولسنا أهلاً لذلك . ولا يلزم من عجزنا عن التصنيف كون القرآن معجزاً أنا بينا أنه من جنس سائر الكتب المشتملة على أخبار الأولين وأقاصيص الأقدمين . واعلم أن الجواب عن هذا السؤال سيأتي في الآية المذكورة بعد ذلك . قوله تعالى * ( وَهُمْ يَنْهَوْنَ عَنْهُ وَيَنْأَوْنَ عَنْهُ وَإِن يُهْلِكُونَ إِلاَّ أَنفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ ) * . في الآية مسائل : المسألة الأولى : اعلم أنه تعالى لما بيّن أنهم طعنوا في كون القرآن معجزاً بأن قالوا : إنه من جنس أساطير الأولين وأقاصيص الأقدمين ؛ بين في هذه الآية أنهم ينهون عنه وينأون عنه ، وقد سبق ذكر القرآن وذكر محمد عليه السلام ، فالضمير في قوله * ( عنه ) * محتمل أن يكون عائداً إلى القرآن وأن يكون عائداً إلى محمد عليه الصلاة والسلام ، فلهذا السبب اختلف المفسرون فقال بعضهم : * ( وهم ينهون عنه وينأون عنه ) * أي عن القرآن وتدبره والاستماع له . وقال آخرون : بل المراد ينهون عن الرسول . واعلم أن النهي عن الرسول عليه السلام محال بل لا بدّ وأن يكون المراد النهي عن فعل يتعلق به عليه الصلاة والسلام ، وهو غير مذكور فلا جرم حصل فيه قولان : منهم من قال المراد أنهم ينهون عن التصديق بنبوّته والإقرار برسالته . وقال عطاء ومقاتل : نزلت في أبي طالب كان ينهى قريشاً عن إيذاء النبي عليه الصلاة والسلام ، ثم يتباعد عنه ولا يتبعه على دينه . والقول الأول : أشبه لوجهين : الأول : أن جميع الآيات المتقدمة على هذه الآية تقتضي ذم طريقتهم ، فكذلك قوله * ( وهم ينهون عنه ) * ينبغي أن يكون محمولاً على أمر مذموم ، فلو حملناه على أن أبا طالب كان ينأى عن إيذائه ، لما حصل هذا النظم . والثاني : أنه تعالى قال بعد ذلك * ( وإن يهلكون إلا أنفسهم ) * يعني به ما تقدم ذكره . ولا يليق ذلك بأن يكون المراد من قوله * ( وهم ينهون عنه ) * النهي عن أذيته ، لأن ذلك حسن لا يوجب الهلاك . فإن قيل : إن قوله * ( وإن يهلكون إلا أنفسهم ) * يرجع إلى قوله * ( وينأون عنه ) * لا إلى قوله * ( ينهون عنه ) * لأن المراد بذلك أنهم يبعدون عنه مفارقة دينه ، وترك الموافقة له وذلك ذم فلا يصح ما رجحتم به هذا القول .
تفسير الرازي — صفحة 189 | فخر الدين الرازي