لا يؤمنوا بها لأجل أن الله تعالى جعل على قلوبهم أكنة ، وهذه الآية تدل على فساد التأويل الأول الذي نقلناه عن الجبائي ، ولأنه لو كان المراد من قوله تعالى : * ( وجعلنا على قلوبهم أكنة ) * إلقاء النوم على قلوب الكفار لئلا يمكنهم التوسل بسماع صوته على وجدان مكانه لما كان قوله * ( وإن يروا كل آية لا يؤمنوا بها ) * لائقاً بهذا الكلام ، وأيضاً لو كان المراد ما ذكره الجبائي لكان يجب أن يقال : وجعلنا على قلوبهم أكنة أن يسمعوه ، لأن المقصود الذي ذكره الجبائي إنما يحصل بالمنع من سماع صوت الرسول عليه السلام أما المنع من نفس كلامه ومن فهم مقصوده ، فلا تعلق له بما ذكره الجبائي فظهر سقوط قوله . والله أعلم .
أما قوله تعالى : * ( حتى إذا جاؤوك يجادلونك ) * فاعلم أن هذا الكلام جملة أخرى مرتبة على ما قبلها و * ( حتى ) * في هذا الموضع هي التي يقع بعدها الجمل ، والجملة هي قوله * ( إذا جاؤوك يجادلونك ) * يقول الذين كفروا ، ويجادلونك في موضع الحال وقوله * ( يقول الذين كفروا ) * تفسير لقوله * ( يجادلونك ) * والمعنى أنه بلغ بتكذيبهم الآيات إلى أنهم يجادلونك ويناكرونك ، وفسّر مجادلتهم بأنهم يقولون * ( إن هذا إلا أساطير الأولين ) * قال الواحدي : وأصل الأساطير من السطر ، وهو أن يجعل شيئاً ممتداً مؤلفاً ومنه سطر الكتاب وسطر من شجر مغروس . قال ابن السكيت : يقال سطر وسطر ، فمن قال سطر فجمعه في القليل أسطر والكثير سطور ، ومن قال سطر فجمعه أسطار ، والأساطير جمع الجمع ، وقال الجبائي : واحد الأساطير أسطور وأسطورة وأسطير وأسطيرة ، وقال الزجاج : واحد الأساطير أسطورة مثل أحاديث وأحدوثة . وقال أبو زيد : الأساطير من الجمع الذي لا واحد له مثل عباديد ثم قال الجمهور : أساطير الأولين ما سطره الأولون . قال ابن عباس : معناه أحاديث الأولين التي كانوا يسطرونها أي يكتبونها . فأما قول من فسر الأساطير بالترهات ، فهو معنى وليس مفسراً . ولما كانت أساطير الأولين مثل حديث رستم واسفنديار كلاماً لا فائدة فيه لا جرم فسرت أساطير الأولين بالترهات . المسألة الرابعة : اعلم أنه كان مقصود القوم من ذكر قولهم * ( إن هذا إلا أساطير الأولين ) * القدح في كون القرآن معجزاً فكأنهم قالوا : إن هذا الكلام من جنس سائر الحكايات المكتوبة ، والقصص المذكورة للأولين ، وإذا كان هذا من جنس تلك الكتب المشتملة على حكايات الأولين وأقاصيص الأقدمين لمل يكن معجزاً خارقاً للعادة . وأجاب القاضي عنه بأن قال : هذا السؤال مدفوع لأنه يلزم أن يقال لو كان في مقدوركم معارضته لوجب أن تأتوا بتلك المعارضة وحيث لم يقدروا عليها ظهر أنها معجزة . ولقائل أن يقول : كان للقوم أن يقولوا نحن وإن كنا أرباب
تفسير الرازي — صفحة 188
مساهمون: فخر الدين الرازي
ص١٨٨