تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير الرازي — صفحة 152

مساهمون:

ص١٥٢
فإن قيل : على أي شيء عطف قوله * ( ثم الذين كفروا بربهم يعدلون ) * قلنا : يحتمل أن يكون معطوفاً على قوله * ( الحمد لله ) * على معنى أن الله حقيق بالحمد على كل ما خلق لأنه ما خلقه إلا نعمة * ( ثم الذين كفروا بربهم يعدلون ) * فيكفرون بنعمته ، ويحتمل أن يكون معطوفا على قوله * ( خلق السماوات والأرض ) * على معنى أن خلق هذه الأشياء العظيمة التي لا يقدر عليها أحد سواه ، ثم إنهم يعدلون به جماداً لا يقدر على شيء أصلاً . فإن قيل : فما معنى ثم ؟ قلنا : الفائدة فيه استبعاد أن يعدلوا به بعد وضوح آيات قدرته والله أعلم . قوله تعالى * ( هُوَ الَّذِى خَلَقَكُمْ مِّن طِينٍ ثُمَّ قَضَى أَجَلاً وَأَجَلٌ مُّسمًّى عِندَهُ ثُمَّ أَنتُمْ تَمْتَرُونَ ) * اعلم أن هذا الكلام يحتمل أن يكون المراد منه ذكر دليل آخر من دلائل إثبات الصانع تعالى ، ويحتمل أن لا يكون المراد منه ذكر الدليل على صحة المعاد وصحة الحشر . أما الوجه الأول : فتقريره : أن الله تعالى لما استدل بخلقه السماوات والأرض وتعاقب الظلمات والنور على وجود الصانع الحكيم أتبعه بالاستدلال بخلقه الإنسان ، على إثبات هذا المطلوب فقال : * ( هو الذي خلقكم من طين ) * والمشهور أن المراد منه أنه تعالى خلقهم من آدم وآدم كان مخلوقاً من طين . فلهذا السبب قال : * ( هو الذي خلقكم من طين ) * وعندي فيه وجه آخر ، وهو أن الإنسان مخلوق من المني ومن دم الطمث ، وهما يتوالدان من الدم ، والدم إنما يتولد من الأغذية ، والأغذية إما حيوانية وإما نباتية ، فإن كانت حيوانية كان الحال في كيفية تولد ذلك الحيوان كالحال في كيفية تولد الإنسان ، فبقي أن تكون نباتية ، فثبت أن الإنسان مخلوق من الأغذية النباتية ، ولا شك أنها متولدة من الطين ، فثبت أن كل إنسان متولد من الطين . وهذا الوجه عندي أقرب إلى الصواب . إذا عرفت هذا فنقول : هنا الطين قد تولدت النطفة منه بهذا الطريق المذكور ، ثم تولد من النطفة أنواع الأعضاء المختلفة في الصفة والصورة واللون والشكل مثل القلب والدماغ والكبد ، وأنواع الأعضاء البسيطة كالعظام والغضاريف والرباطات والأوتار وغيرها ، وتولد الصفات المختلفة في المادة المتشابهة لا يمكن إلا بتقدير مقدر حكيم ومدبر رحيم وذلك هو المطلوب .
تفسير الرازي — صفحة 152 | فخر الدين الرازي