تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير الرازي — صفحة 155

مساهمون:

ص١٥٥
المسألة الأولى : القائلون بأن الله تعالى مختص بالمكان تمسكوا بهذه الآية وهو قوله * ( وهو الله في السماوات ) * وذلك يدل على أن الإله مستقر في السماء قالوا : ويتأكد هذا أيضاً بقوله تعالى : * ( أأمنتم من في السماء أن يخسف ) * ( الملك : 16 ) قالوا : ولا يلزمنا أن يقال فيلزم أن يكون في الأرض لقوله تعالى في هذه الآية * ( وهو الله في السماوات وفي الأرض ) * وذلك يقتضي حصوله تعالى في المكانين معاً وهو محال لأنا نقول أجمعنا على أنه ليس بموجود في الأرض ، ولا يلزم من ترك العمل بأحد الظاهرين ترك العمل بالظاهر الآخر من غير دليل ، فوجب أن يبقى ظاهر قوله * ( وهو الله في السماوات ) * على ذلك الظاهر ، ولأن من القراء من وقف عند قوله * ( وهو الله في السماوات ) * ثم يبتدئ فيقول * ( وفي الأرض يعلم سركم ) * والمعنى أنه سبحانه يعلم سرائركم الموجودة في الأرض فيكون قوله * ( في الأرض ) * صلة لقوله * ( سركم ) * هذا تمام الكلام . وأعلم أنا نقيم الدلالة أولاً على أنه لا يمكن حمل هذا الكلام على ظاهره ، وذلك من وجوه : الأول : أنه تعالى قال في هذه السورة * ( قل لمن ما في السماوات والأرض قل لله ) * ( الأنعام : 12 ) فبيّن بهذه الآية أن كل ما في السماوات والأرض فهو ملك لله تعالى ومملوك له ، فلو كان الله أحد الأشياء الموجودة في السماوات لزم كونه ملكاً لنفسه ، وذلك محال ، ونظير هذه الآية قوله في سورة طه * ( له ما في السماوات وما في الأرض وما بينهما ) * ( طه : 6 ) فإن قالوا قوله * ( قل لمن ما في السماوات والأرض ) * هذا يقتضي أن كل ما في السماوات فهو لله إلا أن كلمة ما مختصة بمن لا يعقل فلا يدخل فيها ذات الله تعالى . قلنا : لا نسلم والدليل عليه قوله * ( والسماء وما بناها * والأرض وما طحاها * ونفس وما سواها ) * ( الشمس : 5 - 7 ) ونظيره * ( ولا أنتم عابدون ما أعبد ) * ( الكافرون : 3 ) ولا شك أن المراد بكلمة ما ههنا هو الله سبحانه . والثاني : أن قوله * ( وهو الله في السماوات ) * إما أن يكون المراد منه أنه موجود في جميع السماوات ، أو المراد أنه موجود في سماء واحدة . والثاني : ترك للظاهر والأول : على قسمين لأنه إما أن يكون الحاصل منه تعالى في أحد السماوات عين ما حصل منه في سائر السماوات أو غيره ، والأول : يقتضي حصول المتحيز الواحد في مكانين وهو باطل ببديهة العقل . الثاني : يقتضي كونه تعالى مركباً من الأجزاء والأبعاض وهو محال . والثالث : أنه لو كان موجوداً في السماوات لكان محدوداً متناهياً وكل ما كان كذلك كان قبوله للزيادة والنقصان ممكناً ، وكل ما كان كذلك كان اختصاصه بالمقدار المعين لتخصيص مخصص وتقدير مقدر وكل ما كان كذلك فهو محدث . والرابع : أنه لو كان في السماوات فهل يقدر على خلق عالم آخر فوق السماوات أو لا يقدر ، والثاني : يوجب تعجيزه والأول : يقتضي أنه تعالى لو فعل ذلك لحصل تحت هذا العالم ، والقوم ينكرون كونه تحت العالم
تفسير الرازي — صفحة 155 | فخر الدين الرازي