بذكر السماوات والأرض ، فإنه لا يفهم منهما إلا هاتان الكيفيتان المحسوستان والثاني : نقل الواحدي عن ابن عباس أنه قال * ( وجعل الظلمات والنور ) * أي ظلمة الشرك والنفاق والكفر والنور يريد نور الإسلام والإيمان والنبوّة واليقين . ونقل عن الحسن أنه قال : يعني الكفر والإيمان ، ولا تفاوت بين هذين القولين ، فكان قول الحسن كالتلخيص لقول ابن عباس . ولقائل أن يقول حمل اللفظ على الوجه الأول أولى ، لما ذكرنا أن الأصل حمل اللفظ على حقيقته ، ولأن الظلمات والنور إذا كان ذكرهما مقروناً بالسموات والأرض لم يفهم منه إلا ما ذكرناه . قال الواحدي : والأولى حمل اللفظ عليهما معاً . وأقول هذا مشكل لأنه حمل اللفظ على مجازه ، واللفظ الواحد بالاعتبار الواحد لا يمكن حمله على حقيقته ومجازه معاً . المسألة الثالثة : إنما قدم ذكر الظلمات على ذكر النور لأجل أن الظلمة عبارة عن عدم النور عن الجسم الذي من شأنه قبول النور ، وليست عبارة عن كيفية وجودية مضادة للنور ، والدليل عليه أنه إذا جلس إنسان بقرب السراج ، وجلس إنسان آخر بالبعد منه ، فإن البعيد يرى القريب ويرى ذلك الهواء صافياً مضيئاً ، وأما القريب فإنه لا يرى البعيد ويرى ذلك الهواء مظلماً ، فلو كانت الظلمة كيفية وجودية لكانت حاصلة بالنسبة إلى هذين الشخصين المذكورين ، وحيث لم يكن الأمر كذلك علمنا أن الظلمة ليست كيفية وجودية . وإذ ثبت هذا فنقول : عدم المحدثات متقدم على وجودها ، فالظلمة متقدمة في التقدير والتحقق على النور ، فوجب تقديمها في اللفظ ، ومما يقوي ذلك ما يروى في الأخبار الإلهية أنه تعالى خلق الخلق في ظلمة ، ثم رش عليهم من نوره . المسألة الرابعة : لقائل أن يقول : لم ذكر الظلمات بصيغة الجمع ، والنور بصيغة الواحد ؟ فنقول : أما من حمل الظلمات على الكفر والنور على الإيمان ، فكلامه ههنا ظاهر ، لأن الحق واحد والباطل كثير ، وأما من حملها على الكيفية المحسوسة ، فالجواب : أن النور عبارة عن تلك الكيفية الكاملة القوية ، ثم إنها تقبل التناقص قليلاً قليلاً ، وتلك المراتب كثيرة . فلهذا السبب عبّر عن الظلمات بصيغة الجمع . أما قوله تعالى : * ( ثم الذين كفروا بربهم يعدلون ) * فأعلم أن العدل هو التسوية . يقول : عدل الشيء بالشيء إذا سواه به ، ومعنى * ( يعدلون ) * يشركون به غيره .
تفسير الرازي — صفحة 151
مساهمون: فخر الدين الرازي
ص١٥١