تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير الرازي — صفحة 149

مساهمون:

ص١٤٩
الأربعة ، وسائر الأحوال المختلفة ، وحصل بسبب تلك الاختلافات مصالح هذا العالم . أما الأرض فهي قابلة للأثر والقابل الواحد كاف في القبول ، وأما دلالة الآية المذكورة على تعدد الأرضين فقد بينا في تفسير تلك الآية كيفية الحال فيها والله أعلم . المسألة الثانية : اعلم أن المقصود من هذه الآية ذكر الدلالة على وجود الصانع . وتقريره أن أجرام السماوات والأرض تقدرت في أمور مخصوصة بمقادير مخصوصة ، وذلك لا يمكن حصوله إلا بتخصيص الفاعل المختار . أما بيان المقام الأول فمن وجوه : الأول : أن كل فلك مخصوص اختص بمقدار معين مع جواز أن يكون الذي كان حاصلاً مقداراً أزيد منه أو أنقص منه . والثاني : أن كل فلك بمقدار مركب من أجزاء ، والجزء الداخل كان يمكن وقوعه خارجاً وبالعكس . فوقوع كل واحد منها في حيزه الخاص أمر جائز . والثالث : أن الحركة والسكون جائزان على كل الأجسام بدليل أن الطبيعة الجسمية واحدة . ولوازم الأمور الواحدة بالحركة دون السكون اختصاص بأمر ممكن . والرابع : أن كل حركة ، فإنه يمكن وقوعها أسرع مما وقع وأبطأ مما وقع ، فاختصاص تلك الحركة المعينة بذلك القدر المعين من السرعة والبطء اختصاص بأمر ممكن . والخامس : أن كل حركة ، وقعت متوجهة إلى جهة ، فإنه يمكن وقوعها متوجهة إلى سائر الجهات . فاختصاصها بالوقوع على ذلك الوجه الخاص اختصاص بأمر ممكن . والسادس : أن كل فلك فإنه يوجد جسم آخر إما أعلى منه وإما أسفل منه ، وقد كان وقوعه على خلاف ذلك الترتيب أمراً ممكناً ، بدليل أن الأجسام لما كانت متساوية في الطبيعة الجسمية ، فكل ما صحّ على بعضها صح على كلها ، فكان اختصاصه بذلك الحيز والترتيب أمراً ممكناً . والسابع : وهو أن لحركة كل فلك أولاً ، لأن وجو ، حركة لا أول لها محال . لأن حقيقة الحركة انتقال من حالة إلى حالة . وهذا الانتقال يقتضي كونها مسبوقة بالغير . والأول ينافي المسبوقية بالغير ، والجمع بينهما محال . فثبت أن لكل حركة أولاً ، واختصاص ابتداء حدوثه بذلك الوقت ، دون ما قبله وما بعده اختصاص بأمر ممكن . والثامن : هو أن الأجسام ، لما كانت متساوية في تمام الماهية كان اتصاف بعضها بالفلكية وبعضها بالعنصرية دون العكس ، اختصاصاً بأمر ممكن . والتاسع : وهو أن حركاتها فعل لفاعل مختار ، ومتى كان كذلك فلها أول . بيان المقام الأول أن المؤثر فيها لو كان علة موجبة بالذات لزم من دوام تلك العلة دوام آثارها ، فيلزم من دوام تلك العلة ، دوام كل واحد من الأجزاء المتقومة في هذه الحركة . ولما كان ذلك محالاً ثبت أن المؤثر فهيا ليس علة موجبة بالذات ، بل