تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير الرازي — صفحة 131

مساهمون:

ص١٣١
المسألة الثالثة : ظاهر الأمر وإن كان للوجوب إلا أنه لا يفيد ههنا إلا بالإباحة . وكذا في قوله * ( فإذا قضيت الصلاة فانتشروا في الأرض ) * ( الجمعة : 10 ) ونظيره قول القائل : لا تدخلن هذه الدار حتى تؤدي ثمنها ، فإذا أديت فأدخلها ، أي فإذا أديت فقد أبيح لك دخولها ، وحاصل الكلام أنا إنما عرفنا أن الأمر ههنا لم يفد الوجوب بدليل منفصل والله أعلم . ثم قال تعالى : * ( ولا يجرمنك شنآن قوم أن صدوكم عن المسجد الحرام أن تعتدوا وتعاونوا على البر والتقوى ولا تعاونوا على الإثم والعدوان ) * وفي الآية مسائل : المسألة الأولى : قال القفال رحمه الله : هذا معطوف على قوله * ( لا تحلوا شعائر الله ) * إلى قوله * ( ولا آمين البيت الحرام ) * يعني ولا تحملنكم عداوتكم لقوم من أجل أنهم صدوكم عن المسجد الحرام على أن تعتدوا فتمنعوهم عن المسجد الحرام ، فإن الباطل لا يجوز أن يعتدى به . وليس للناس أن يعين بعضهم بعضاً على العدوان حتى إذا تعدى واحد منهم على الآخر تعدى ذلك الآخر عليه ، لكن الواجب أن يعين بعضهم بعضاً على ما فيه البر والتقوى ، فهذا هو المقصود في الآية . المسألة الثانية : قال صاحب " الكشاف " * ( جرم ) * يجري مجرى كسب في تعديه تارة إلى مفعول واحد ، وتارة إلى اثنين ، تقول : جرم ذنباً نحو كسبه ، وجرمته ذنباً نحو كسبته إياه ، ويقال : أجرمته ذنباً على نقل المتعدي إلى مفعول بالهمزة إلى مفعولين ، كقولهم : أكسبته ذنباً ، وعليه قراءة عبد الله * ( ولا يجرمنكم ) * بضم الياء ، وأول المفعولين على القراءتين ضمير المخاطبين . والثاني : أن تعتدوا ، والمعنى لا يكسبنكم بغض قوم لأن صدوكم الاعتداء ولا يحملنكم عليه . المسألة الثالثة : الشنآن البغض ، يقال : شنأت الرجل أشنؤه شنأ ومشنأ . ومشنأة وشنآنا بفتح الشين وكسرها ، ويقال : رجل شنآن وامرأة شنآنة مصروفان ، ويقال شنآن بغير صرف ، وفعلان قد جاء وصفاً وقد جاء مصدراً . المسألة الرابعة : قرأ ابن عامر وأبو بكر عن عاصم وإسماعيل عن نافع بجزم النون الأولى ، والباقون بالفتح . قالوا : والفتح أجود لكثرة نظائرها في المصادر كالضربان والسيلان والغليان والغشيان ، وأما بالسكون فقد جاء في الأكثر وصفاً . قال الواحدي : ومما جاء مصدراً كقولهم : لويته حقه ليانا ، وشنان في قول أبي عبيدة . وأنشد للأحوص . وإن غاب فيه ذو الشنان وفندا فقوله : ذو الشنان على التخفيف كقولهم : إني ظمان ، وفلان ظمان ، بحذف الهمزة وإلقاء حركتها على ما قبلها .