أفقه من عمر حيث ترك الصلاة لما أصابته الجنابة ولم يجد ماء ( 1 ) وأما
عمار فإنه علم أن الصلاة لا تسقط بذلك ، لكن راعى التسوية بين البدل
والمبدل ، وظن أن بدلية التيمم عن الغسل تقتضي الاستيعاب . وهذا
- لعمري - من أنظار الفقهاء ودقائقهم ، بل من قواعدهم وضوابطهم
وانما قال له رسول الله - صلى الله عليه وآله وسلم - : ( أفلا فعلت
هكذا ) - ومسح بوجهه ويديه - لان التيمم الذي أمر الله به في كتابه بدلا
عن الوضوء والغسل شئ واحد لا فصل بينهما والتسوية غير مرادة هاهنا وإلا
لوجب استيعاب محال والوضوء بالمسح . وفي قوله - عليه السلام - : ( أفلا فعلت )
هامش
( 1 ) ذكر البخاري في صحيحه باب التيمم ( ج 1 ص 75 ) طبع مصر بولاق
سنة 1311 ه ، بسنده ، ( عن سعيد بن عبد الرحمن بن أبزي ، عن أبيه ، قال :
جاء رجل إلى عمر بن الخطاب فقال : إني أجنبت فلم أصب الماء ، فقال عمار بن ياسر لعمر
ابن الخطاب أما تذكر أنا كنا في سفر أنا وأنت . فأما أنت فلم تصل ، وأما أنا فتمعكت ،
فصليت ، فذكرت للنبي ( صلى الله عليه وآله وسلم ) فقال النبي : إنما يكفيك هكذا ، فضرب النبي ( صلى الله عليه وآله وسلم )
كفيه الأرض ونفخ فيهما ثم مسح بهما وجهه وكفيه ) ؟ وذكر ذلك أيضا بطرق
عديدة ، وذكر مثله مسلم في صحيحه ( ج 1 ص 110 ) طبع مصر بولاق سنة 1290 ه
بطرق عديدة ، وزاد : ( . . . فقال عمر : اتق الله يا عمار ، قال : إن شئت لم أحدث
به ) وفي إسناد آخر قال : فقال عمر : ( نوليك ما توليت ) فكأن عمارا قال ذلك
خوفا من عمر بدليل قوله له : ( نوليك ما توليت ) تهديدا له .
وقيل : مال إلى رأي عمر في هذه المسألة عبد الله بن مسعود ، كما أخرج
البخاري وغيره من أصحاب الصحاح والسنن ، قال البخاري في صحيحه ( ج 1
ص 77 ) بسنده : ( عن عمر بن حفص ، قال : حدثنا أبي قال : حدثنا الأعمش ،
قال سمعت شقيق ابن سلمة ، قال : كنت عند عبد الله وأبي موسى ، فقال له ؟
أبو موسى : أرأيت يا أبا عبد الرحمن إذا أجنب فلم يجد ماء كيف يصنع ؟ فقال
عبد الله : لا يصلي حتى يجد الماء ، فقال أبو موسى : كيف تصنع بقول عمار حين
قال له النبي ( صلى الله عليه وآله وسلم ) ( كان يكفيك ) ؟ قال : ألم تر عمر لم يقنع بذلك ؟ فقال
أبو موسى : فدعنا من قول عمار ، كيف تصنع بهذه الآية ( أي قوله تعالى في
سورة المائدة : فلم تجدوا ماء فتيمموا صعيدا طيبا ) فما درى عبد الله ما يقول ، فقال :
إنا لو رخصنا لهم في هذا لأوشك - إذا برد على أحدهم الماء - أن يدعه ويتيمم ،
فقلت لشقيق : فإنما كره عبد الله لهذا ؟ قال : نعم ) وذكر مثله أيضا بطريق آخر
وبزيادة بعض الجمل ، فراجعه .
وذكر مثله مسلم في صحيحه ( ج 1 ص 110 ) بزيادة بعض الجمل وبسند
آخر ينتهي إلى شقيق بن سلمة ، ولعل ابن مسعود في كلامه هذا مع أبي موسى
كان متقيا من عمر ومن صاحبه أبي موسى .
راجع ما ذكره ابن حجر العسقلاني في ( فتح الباري ) شرح صحيح البخاري
( ج 1 ص 352 ) طبع مصر سنة 1348 ه من الالتواء ، في شرح حديث عمار
المذكور خصوصا في قول عبد الله بن مسعود لأبي موسى : ( ألم تر عمر لم يقنع
بذلك ) وتوجيهه عدم قناعة عمر بقول عمار عندما أخبره أنه كان معه في تلك
الحال ، وحضر معه تلك القصة ، وتبعه في هذا الالتواء العيني في ( عمدة القاري )
شرح صحيح البخاري ( ج 2 ص 171 ) طبع الآستانة سنة 1308 ه ، فراجعهما .