وكان في هذه الفترة يعيش تجربة تطوير البحث الفقهي والأصولي في ظل
أستاذيه الكبيرين ، وكانت فترة مخاض تمخضت عنها المدرسة الفقهية الجديدة .
وفترة المخاض عادة تقترن بكثير من الاضطراب والقلق الفكري وعدم
الاستقرار .
عاش الشيخ مخاض هذه المدرسة في حياة أستاذيه الكبيرين وعانى
ما تتطلب هذه الفترة من جهد وتعب .
واستمر بعد أستاذيه في تطوير المدرسة بعد أن بلغت في حياة المرتضى دور
المراهقة ، وتسلم الشيخ المدرسة عن أستاذه المرتضى في هذا الدور . ولا يختلف
هذا الدور فيما يصيب القائمين بها من تعب وجهد ، واضطراب فكري دائم ،
وعدم استقرار عن دور المخاض .
وكذلك كانت حياة الشيخ الطوسي في مرحلتي التلمذة والتدريس سلسلة
طويلة من المحاولات التجديدية لتطوير الفقه وصياغته من جديد ، وتجديد
أصول الصناعة والصياغة والاستدلال فيه .
ولاقى الشيخ الطوسي في سبيل ذلك كثيرا من التعب والجهد وأعانه على
ذلك صبره على العمل ، ومواصلته للتأليف والتدريس والتفكير ، ومؤهلاته
الفكرية الخاصة ، ونبوغه الذهني ، وعناية أستاذيه به ، وتوفر الكتب لديه .
وقد أنعم الله على شيخنا الطوسي بهذه النعم كلها ، فقد كانت في متناول
الشيخ مكتبتان كبيرتان يستعين بهما في التأليف والمطالعة والالمام بأمهات الكتب
الفقهية :
إحداهما ( مكتبة الشيعة ) التي أنشأها أبو نصر سابور بن أردشير وزير بهاء
الدولة البويهي ، جمع فيها ما تفرق من كتب فارس والهند واستكتب تآليف أهل
الهند والصين والروم ، وأهدى إليها العلماء كتبهم ، فكانت من أغنى مكاتب
بغداد ، وقد أمر بإحراقها ( طغرل بيك ) فيما أحرق من مؤسسات الشيعة وبيوتهم
ومدارسهم في الكرخ .
رياض المسائل — صفحة 43
مساهمون: مؤسسة النشر الإسلامي التابعة لجماعة المدرسين بقم المقدسة
ص٤٣