إنّي بدهماء عزِّ ما أجد * يعتادني من حبابها زؤد !
وأين حصل تليدك شغلك عنه تخليدك وحقّ لك أن تنساه كما ذهل وحشيُّ دمي نساه .
وإذا هو برجلٍ يتضوّر فيقول : من هذا فيقال : الأخطل التَّغلبيّ فيقول له : ما زالت صفتك للخمر حتى غادرتك أكلاً للجمر كم طربت السَّادات على قولك :
أناخوا فجرّوا شاصياتٍ كأنَّها * رجالٌ من السُّودان لم يتسربلوا
فقلت : أصبحوني لا أبا لأبيكم * وما وضعوا الأثقال إلاّ ليفعلوا
فصبوا عقاراً في الإناء كأنَّها * إذا لمحوها جذوةٌ تتأكّل
وجاؤوا ببيسانيَّةٍ هي بعدما * يعلُّ بها السّاقي ألذُّ وأسهل
تمرُ بها الأيدي سنيحاً وبارحاً * وتوضع باللَّهم حيَّ وتحمل
فتوقف أحياناً فيفصل بيننا * غناء مغنٍّ أو شواءٌ مرعبل
فلذَّت لمرتاحٍ وطابت لشاربٍ * وراجعني منها مراحٌ وأخيل
فما لبَّثتنا نشوةٌ لحقت بنا * توابعها ممّا نُعلّ وننهل
تدب دبيا في العظام كأنه * دبيب نمال في نقا يتهيل
ربت وربا في كرمها ابن مدينةٍ * مكبٌّ على مسحاته يتركَّل
إذا خاف من نجمٍ عليها ظماءةً * أدَّب إليها جدولاً يتسلسل
فقلت : اقتلوها عنكم بمزاجها * وحبَّ بها مقتولةً حين تقتل
فقال التَّغلبيّ : إنّي جررت الذّارع ولقيت الدَّارع
رسالة الغفران — صفحة 161
مساهمون: أبي العلاء المعري
ص١٦١