الرواية عنه ( 1 ) لا يثبت ( 2 ) بمثله حجة على أحد فيه " لا يؤمن أحد
بعدي جالسا ( 3 ) "
هامش
( 1 ) في النسخ المطبوعة « مرغوب عن الرواية عنه » وكذلك في نسخة ابن جماعة ، وكلمة
« عن » ليست من الأصل ، ولكنها مزادة فيه بين السطور بخط غير خطه ، ولا حاجة
إليها في الكلام ، بل هو صحيح فصيح بدونها ، وقد ضبطت كلمة « مرغوب »
في الأصل بكسرة واحدة تحتها ، وهي دليل على إضافتها لما بعدها ، وعلى أن زيادة
حرف « عن » خطأ ممن زاده .
( 2 ) في س وب « لا تثبت » بالتاء الفوقية في أوله ، ولكنه بالياء التحتية منقوطة
واضحة في الأصل .
( 3 ) هذا الحديث غاية في الضعف ، رواه الدارقطني من طريق جابر الجعفي عن الشعبي عن
النبي صلى الله عليه وسلم مرفوعا ، ورواه البيهقي في السنن الكبري ( 3 : 80 ) من
طريق الدارقطني ، ثم روي عن الربيع قال : « قال الشافعي : قد علم الذي احتج بهذا
أن ليست فيه حجة ، وأنه لا يثبت ، لأنه مرسل ، ولأنه عن رجل يرغب الناس عن
الرواية عنه » . ويريد الشافعي بالرجل جابرا الجعفي ، إذ هو ضعيف جدا ، وذكر
الحافظ العراقي في طرح التثريب ( 2 : 340 ) أنه روي أيضا « من رواية عبد الملك
بن حبيب عمن أخبره عن مجالد عن الشعبي ، ومجالد ضعيف ، وفي السند إليه من لم يسم ،
فلا يصح الاحتجاج به » ووقع في طرح التثريب « مجاهد » بدل « مجالد » وهو خطأ
مطبعي شنيع .
وقال الشافعي في اختلاف الحديث ( ص 100 - 102 ) بعد أن روى
أحاديث الباب :
« فنحن لم نخالف الأحاديث الأولى بما يجب علينا من أن
نصير إلى الناسخ . الأولى كانت حقا في وقتها ثم نسخت ، فكان الحق
في نسخها . وهكذا كل منسوخ : يكون الحق ما لم ينسخ ، فإذا نسخ
كان الحق في ناسخه . وقد روي في هذا الصنف شيء يغلط فيه بعض
من يذهب إلى الحديث ، وذلك : أن عبد الوهاب أخبرنا عن يحيى
بن سعيد عن أبي الزبير عن جابر : أنهم خرجوا يشيعونه وهو مريض ،
فصلى جالسا وصلوا خلفه جلوسا . أخبرنا عبد الوهاب عن يحيى بن سعيد
أن أسيد بن حضير فعل ذلك . قال الشافعي : وفي هذا ما يدل على أن
الرجل يعلم الشيء عن رسول الله ، لا يعلم خلافه عن رسول الله - :
فيقول بما علم ، ثم لا يكون في قوله بما علم وروي حجة على أحد علم
أن رسول الله قال قولا أو عمل عملا ينسخ العمل الذي قال به غيره
وعلمه ، كما لم يكن في رواية من روى أن النبي صلى جالسا وأمر بالجلوس ،
وصلى جابر بن عبد الله وأسيد بن الحضير وأمرهما بالجلوس وجلوس من
خلفهما - : حجة على من علم من رسول الله شيئا ينسخه . وفي هذا دليل
على أن علم الخاصة يوجد عند بعض ، ويعزب عن بعض ، وأنه ليس
كعلم العامة الذي لا يسع جهله . ولهذا أشباه كثيرة . وفي هذا دليل على
ما في معناه منها » .
وقال الحافظ ابن حيان في صحيحه ، فيما نقله عنه الزيلعي في نصب الراية ( 248 : 1
من طبعة الهند ) بعد أن نقل عنه أنه روى حديث الأمر بالصلاة قاعدا خلف الامام
إذا صلى قاعدا : « وفي هذا الخبر بيان واضح أن الامام إذا صلى قاعدا كان على
المأمومين أن يصلوا قعودا ، وأفتى به من الصحابة جابر بن عبد الله وأبو هريرة وأسيد
بن حضير وقيس بن فهد - بالقاف - ولم يرو عن غيرهم من الصحابة خلاف هذا باسناد
متصل ولا منقطع ، فكان إجماعا ، والإجماع عندنا إجماع الصحابة ، وقد أفتى به من التابعين
جابر بن زيد ، ولم يرو عن غيره من التابعين خلافه باسناد صحيح ولا واه ، فكان
إجماعا من التابعين أيضا . وأول من أبطل ذلك في الأمة المغيرة بن مقسم - بكسر
الميم وسكون القاف وفتح السين المهملة - وأخذ عنه حماد بن أبي سليمان ، ثم أخذه عن
حماد أبو حنيفة ، ثم عنه أصحابه . وأعلى حديث احتجوا به حديث رواه جابر الجعفي
عن الشعبي : قال عليه السلام : لا يؤمن أحد بعدي جالسا . وهذا لو صح إسناده
لكان مرسلا ، والمرسل عندنا وما لم يرو سيان » . ونقل الحافظ العراقي في طرح
التثريب ( 333 : 2 - 334 ) عن ابن حبان نحو هذا الكلام .
ولست أرضى من ابن حبان ادعاءه الاجماع ، كلمة مرسلة لا حجة لها ، كما قال الشافعي
في اختلاف الحديث ( ص 143 ) : « « ولا ينسب إلى ساكت قول قائل
ولا عمل عامل ، إنما ينسب إلى كل قوله وعمله ، وفي هذا ما يدل على
أن ادعاء الإجماع في كثير من خاص الأحكام ليس كما يقول من يدعيه » .
وهذه المسئلة - في صلاة المأموم خلف الامام القاعد - من أدق مسائل الخلاف ، رسالة - 17
وللعلماء فيها أقوال مختلفة ، وأبحاث مستوعبة ، فيها خطأ وفيها صواب ، ليس المقام
هنا مقام تفصيلها ، وانظر في ذلك طرح التثريب للحافظ العراقي ( 333 : 2 - 346 )
ونصب الراية للزيلعي ( 245 : 1 - 249 من طبعة الهند ) والمحلى لابن حزم وتعليقنا
عليه ( 58 : 3 - 72 ) ونيل الأوطار للشوكاني ( 207 : 3 - 212 ) وغير ذلك .
والصحيح الراجح عندنا ما ذهب إليه أحمد بن حنبل ، من أن الإمام إذا صلى جالسا
لعذر وجب على المأمومين أن يصلوا وراءه جلوسا ، على حديث أنس وعائشة ، الذين
مضيا برقمي ( 696 و 697 ) وأن دعوى النسخ لا دليل عليها ، بل هذا الحكم محكم .
ومما قلنا في ذلك في تعليقنا على المحلى : « ودعوى النسخ يردها سياق أحاديث الأمر
بالقعود وألفاظها ، فان تأكيد الأمر بالقعود بأعلى ألفاظ التأكيد ، مع الانكار عليهم
بأنهم كادوا يفعلون فعل فارس والروم - : يبعد معهما النسخ ، إلا إن ورد نص صريح
يدل على إعفائهم من الأمر السابق ، وأن علة التشبه بفعل الأعاجم زالت ، وهيهات
أن يوجد هذا النص ، بل كل ما زعموه للنسخ هو حديث عائشة - أعني في صلاة النبي
في مرض موته مع أبي بكر - ولا يدل على شيء مما أرادوا . ثم إن في الأحاديث
التصريح بايجاب صلاة المأموم قاعدا ، مع النص على أن هذا بناء على أن الإمام إنما
جعل ليؤتم به ، ولا يزال الامام إماما ، والمأموم ملزما بالائتمام به في كل أفعال صلاته ،
وأمرنا بعدم الاختلاف عليه ، لأنه جنة للمصلين ، ولا اختلاف أكثر من عدم متابعته
في أركان الصلاة . ويؤيد هذا أن النبي صلى الله عليه وسلم جعل اتباع الامام في الجلوس
إذا صلى جالسا - : من طاعة الأئمة الواجبة دائما ، إذ هي من طاعة الله ، فقد روى
الطيالسي ( رقم 2577 ) والطحاوي من طريقه ( 235 : 1 ) عن شعبة عن يعلى
بن عطاء قال : سمعت أبا علقمة يحدث عن أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم
قال : من أطاعني فقد أطاع الله ، ومن عصاني فقد عصي الله ، ومن أطاع الأمير فقد
أطاعني ، ومن عصي الأمير فقد عصاني ، فان صلى قاعدا فصلوا قعودا ، الحديث . وهذا
إسناد صحيح على شرط مسلم ، وقد أخرج الشيخان أوله . وهذا قوي في رد دعوى
النسخ ، والحمد لله على توفيقه » .