وهو كلام معقول ، إلا أن ذلك لم يسمع منه ، وعاد الحكم
إلى المالكي فقام وتوضأ وصلى ركعتين ، ثم قال : قد حكمت
بإهراق دمه .
وإذا كنا نحن نفهم أن الأغراض والمصالح الشخصية قد تبرز لابن
جماعة ولبيدمر ، وغيرهما أن يقضوا على ( الشهيد ) ويقتلوه فلا نفهم
مغزى هذه المعاملة التي عومل بها الشهيد بعد وفاته .
فلم يكن الغرض هو القضاء على ( الشهيد ) فقط ، وإلا كان الشهيد
قد لقي حتفه بالضربة الأولى من السيف ، وإنما كان الغرض هو إهانة
( الشهيد ) بعد وفاته ، والحط من مكانته حتى بعد موته ، ويجب أن يبلغ
الإنسان الغاية من الوضاعة ، والانحطاط الخلقي ، والاسفاف والحقد
حتى يستشفي بإهانة قتيل قد أزيح عن ميدان المعارضة .
فقد قتل ( الشهيد ) بدمشق ، ثم أمر بصلبه وهو مقتول بمرأى
من الناس ، ويحيطه جماعات من الجلاوزة للمحافظة على جثته من أن
يستولي عليه مخلصوه ومريدوه لدفنه ، ثم لم يجد هؤلاء الحاقدون الوضيعون
في ذلك شفاءا لغليلهم فأمروا برجم الجسد بالحجر ، فرجمه جلاوزة
( بيدمر ) و ( ابن جماعة ) .
ويظهر أن ذلك كله لم يطفئ الحقد الموغل في نفوسهم القذرة
فأمروا بحرق الجسد .
ومهما قال عبد الحي الحنبلي عن ( الشهيد ) ومهما قالوا عن
( ابن جماعة ) فلا يدعو ذلك لأكثر من القتل ، وما قام به ( بيدمر )
و ( ابن جماعة ) وجلاوزتهما من إهانة جسد ( الشهيد ) بعد قتله يدل
على حقد دفين ومرض متأصل في نفوسهما بالنسبة إلى الشهيد ، وأن ذلك
لا يرتبط أصلا بقصة التهم والمحاضر ، وإنما يمس مصالحهم الشخصية
الروضة البهية في شرح اللمعة الدمشقية — صفحة 158
مساهمون: الشهيد الثاني
ص١٥٨