وفي جميع هذه الحقول يظهر للباحث آثار النضج الذهني ، وسعة
الفكر في دراسات الشهيد وكتاباته .
ومما يثير العجب في نفس الإنسان أكثر من أي شئ آخر أن حياة
( الشهيد ) كانت مجموعة من الرحلات والأسفار الطويلة والشاقة ، ومع
ذلك فقد استطاع الشهيد أن ينمي ثقافته الفقهية ، والعامة خلال هذه
الرحلات ، وما كان يتخللها من أيام الدراسة في ( الحواضر العلمية )
في وقته إلى هذا المستوى .
وهذه ظاهرة غريبة لا نملك تعليلا لها غير توفيق من الله ، ونبوغ
ذاتي أتاح له أن يجمع شتات العلوم والآداب في حياته هذه القصيرة
المضطربة بين الرحلات والخوف .
وليست الثقافة الواسعة ، والذهنية المتفتحة الواعية هي ميزة ( الشهيد )
الوحيد ، فقد كان ( الشهيد ) من المعدودين من أولياء الله المقربين
وممن وفق لتهذيب نفسه وتكميلها ، والتغلب على عوامل الشهوة والهوى
والطاغوت في نفسه ، والإخلاص لله تعالى حق الإخلاص في كل جزء
من سلوكه .
وكانت لياليه عامرة لله ، واستغفاره والصلاة له وتسبيحه ، ونهاره
عامر بالدراسة ولتأليف ، والتعرض لحاجات الناس ، وتوجيه الناس
وإرشادهم ، فكانت حياته كلها حلقات متصلة من العمل والدراسة والعبادة
والجهاد في سبيل الله .
وأروع ما في هذه الحياة الخاتمة الناصعة التي ختمت حياة ( الشهيد )
وألحقته بركب الشهداء والصالحين .
فكانت حياته حياة نموذجية ، وكان هو مثلا أعلى للتقوى والعمل
وكان التراث الفكري الذي خلفه من بعده ، والذرية الطاهرة التي أعقبها
الروضة البهية في شرح اللمعة الدمشقية — صفحة 161
مساهمون: الشهيد الثاني
ص١٦١