( 6 ) ذم الكبرياء في الإنسان :
الحمد لله الذي لبس العز والكبرياء ( 1 ) ، واختارهما لنفسه دون خلقه
وجعلهما حمى وحرما على غيره ، واصطفاهما لجلاله ، وجعل اللعنة على من
نازعه فيهما من عباده ، ثم اختبر بذلك ملائكته المقربين ، ليميز المتواضعين
منهم من المستكبرين ، فقال سبحانه ، وهو العالم بمضمرات القلوب ومحجوبات
الغيوب " إني خالق بشرا من طين ، فإذا سويته ، ونفخت فيه من روحي
فقعوا له ساجدين ، فسجد الملائكة كلهم أجمعون ، إلا إبليس " ، اعترضته
الحمية ، فافتخر على آدم بخلقه وتعصب عليه لأصله ، فعدو الله إمام المتعصبين
وسلف المستكبرين ، الذي وضع أساس العصبية ، ونازع الله رداء الجبرية ،
وادرع لباس التعزز ، وخلع قناع التذلل !
ألا ترون كيف صغره الله بتكبيره ، ووضعه الله بترفعه ، فجعله في الدنيا
مدحورا ، وأعد له في الآخرة سعيرا ، ولو أراد الله أن يخلق آدم من نور
يخطف الأبصار ضياؤه ، ويبهر العقول دواؤه ، وطيب يأخذ الإنسان عرفه ،
لفعل ، ولو فعل ، لظلت له الأعناق خاضعة ، ولخفت البلوى فيه على الملائكة ،
ولكن الله سبحانه ، ابتلى خلقه ببعض ما يجهلون أصله ، تمييزا بالاختبار لهم ،
ونفيا للاستكبار عنهم ، وإبعادا للخيلاء منهم ، فاعتبروا بما كان من فعل الله
بإبليس إذ أحبط عمله الطويل وجهده الجهيد ، وكان قد عبد الله ستة آلاف
هامش
( 1 ) من خطبة لعلي بن أبي طالب عليه السلام تسمى القاصعة ، من قصع فلان
فلانا أي حقره ، لأنه حقر فيها حال المتكبرين ، أو من قصع الماء عطشه إذا أزاله ، لأن
سامعها لو كان متكبرا ، ذهب تأثيرها بكبره كما يذهب الماء بالعطش ! وقال وقد لقيه عند
مسيره إلى الشام دهاقين الأنبار ( زعماء فلاحي العجم في العراق ) ، فترجلوا له واشتدوا
بين يديه " ما هذا الذي صنعتموه ؟ " ، فقالوا " خلق منا ، نعظم به أمراءنا " ، فقال
" والله ما ينتفع بهذا أمراؤكم ، وإنكم لتشقون على أنفسكم في دنياكم ، وتشقون به في
آخرتكم ، وما أخسر المشقة وراءها العقاب وأربح الدعة معها الأمان من النار " . راجع
ص 152 من نهج البلاغة ج 2 .