سنة ، لا يدرى أمن سني الدنيا أم سني الآخرة ، عن كبر ساعة واحدة ، فمن
بعد إبليس يسلم على الله بمثل معصيته ، كلا ما كان الله سبحانه ، ليدخل الجنة
بشرا بأمر أخرج به منها ملكا ، إن حكمه في أهل السماء وأهل الأرض لواحد ،
وما بين الله وبين أحد من خلقه هوادة في إباحة حمى حرمه على العالمين ،
فاحذروا عباد الله أن يعديكم بدائه ، وأن يستفزكم بندائه ، وأن يجلب عليكم
بخيله ورجله ، فلعمري لقد فوق لكم سهم الوعيد ، وأغرق لكم بالنزع الشديد ،
ورماكم من مكان قريب ، وقال رب " بما أغويتني ، لأزينن لهم في الأرض ،
ولأغوينهم أجمعين " ، قذفا بغيب بعيد ورجما بظن مصيب !
فاطفئوا ما كان في قلوبكم من نيران العصبية وأحقاد الجاهلية ، فإنما تلك
الحمية تكون في المسلم من خطرات الشيطان ونخواته ونزغاته ونفثاته ، واتخذوا
التواضع مسلحة بينكم وبين عدوكم إبليس وجنوده ، فإن له من كل أمة جنودا
وأعوانا ورجالا وفرسانا ، ولا تكونوا كالمتكبر على ابن أمه من غير ما فضل
جعله الله فيه ، سوى ما ألحقت العظمة بنفسه من عداوة الحسد ، وقدحت
الحمية في قلبه من نار الغضب ، ونفخ الشيطان في أنفه من ريح الكبر الذي
أعقبه الله به الندامة وألزمه آثام القاتلين إلى يوم القيامة !
فاعتبروا بما أصاب الأمم المستكبرين من قبلكم من بأس الله وصولاته
ووقائعه ومثلاته ، واتعظوا بمثاوي خدودهم ومصارع جنوبهم واستعيذوا بالله
من لواقح الكبر ، كما تستعيذون من طوارق الدهر ، فلو رخص الله في الكبر
لأحد من عباده ، لرخص فيه لخاصة أنبيائه وأوليائه ، ولكنه سبحانه ، كره إليهم
التكابر ورضي لهم التواضع ، فألصقوا بالأرض خدودهم وعفروا في التراب
وجوههم ، وخفضوا أجنحتهم للمؤمنين ، وكانوا قوما مستضعفين ، وقد اختبرهم
الله بالمخمصة ، وابتلاهم بالمجهدة وامتحنهم بالمخارف ومخضهم بالمكاره ، فلا تعتبروا
الرضا والسخط بالمال والولد ( 1 ) ، جهلا بمواقع الفتنة والاختبار في مواضع
هامش
( 1 ) أي كما قال الإمام محمد عبدة " لا تجعلوا كثرة الأولاد ووفرة الأموال ، دليلا
على رضاء الله ، والنقص فيهما دليلا على سخطه ، فقد يكون الأول فتنة واستدراجا ،
والثاني محنة وابتلاء ! " .