اتصالا متينا ، كما تفيد كلها أن الإسلام دين رقي وتوحيد واجتماع ! ويقول بعض
المفسرين إن تخصيص الإنسان بالذكر في هذه الآية ، هو لأن التنزيل إليه ،
أو لأنه أشرف ما على وجه الأرض ، وقال آخر إنه أبهم أولا بقوله " الذي
خلق " ثم فسر بقوله " خلق الإنسان من علق " تفخيما لخلق الإنسان ، وقال
بعضهم : " قد يكون المقصود بيان ناحية الفائدة من القراءة ، أي أنه لما خلق
الإنسان من علق ، كان من الضروري معرفة ما يصون هذا النوع من الخلق
ويرقيه " ، وأن ذلك يكون بالقراءة المذكورة ، أي بدراسة طبيعة الكائنات
للانتفاع بها في وجوده ومعرفة أثرها فيه ، وتكون هذه القراءة عبارة عن
البحث في ذات الحياة الإنسانية وفي علاقة الإنسان بموجودات الكون
ومكانته منها وحاجته لمعرفتها ووجوب دراستها وعلاقتها بخالقها !
ولا غرو إذا كانت دراسة خلق الإنسان في مقدمة واجبات الإنسان ،
قال تعالى : " أو لم يتفكروا في أنفسهم " ، ومعنى هذا أو لم يتفكروا في أمر
أنفسهم فإنها مرآة يتجلى فيها المستبصر ما يتجلى في الممكنات بأسرها ، قال عليه
الصلاة والسلام " أعرفكم بربه ، أعرفكم بنفسه " .
ومعنى العلق صلات الحب والمودة وعلاقات الألفة والمعاونة وغير ذلك
مما فيه معنى التعلق والارتباط والنسب والمقاربة ، كما أنها اسم جنس لتلك لجرثومة
المستحدثة من النطفة . وعلى هذا المعنى الأخير ، تكون الآية قد أشارت إلى
خلق الإنسان من تلك الجرثومة التي تخلق منها الحيوانات ، وإنما يأتي امتيازه
بعد ذلك ، وعلى هذا يكون معنى خلق الإنسان من علق أي من علق بويضتي
الذكر والأنثى إحداهما بالأخرى . ويحصل تكوين العلقة من هذا العلق ! .
وهناك معنى آخر ، وهو أن الله جعل في رحم المرأة موضعا خاصا مهيئا لحياة
النطفة كمستقر أو قرار مكين لها ، وموضعا آخر لحياة العلقة بعده تنتقل إليه
كمستودع لها ، قال تعالى " هو الذي أنشأكم من نفس واحدة لمستقر ، قد فصلت
الآيات لقوم يفقهون " ، فمتى نشبت العلقة في هذا المستودع الأخير وعلقت به
ضمنت حياتها ، ثم صارت بعد ذلك مضغة ، فاسم علقة جاء لغة من فعلها وهو
الثقافة الروحية في إنجيل برنابا — صفحة 437
مساهمون: محمود علي قراعة
ص٤٣٧