تعينك على عملك وتكفل لك النجاح فيه ، فتنفذ إلى أعماق هذا الكون
وأسرار الوجود بفكر يقظ وقلب مؤمن ، " اقرأ باسم ربك " ، فلا تخضع
فكرك لسلطان بشر مثلك ولا تقيد رأيك برأي غيرك ، فإن الأمر والرأي
لربك وحده الذي تعمل باسمه ، فقم بعملك ، مراعيا مقاصده ومراميه !
( ه ) ولم يقصر أمر القراءة على اسم الرب سبحانه ، فحسب ، بل ألحقه
بذكر أعظم أفعاله وهو الخلق ، قال تعالى " اقرأ باسم بك الذي خلق " ،
وكأنما أمرك أن تقرأ باسم من خلق ، فيما قد خلق ، ولما أطلق القول في " خلق "
بصيغة الماضي دون ذكر معمول لها ، يكون المعنى بغير تقدير المعمول أنه الذي
حصل منه الخلق واستأثر به ، لا خالق سواه ، فمس الوحدانية دون ذكرها
أو التعمق في أمرها ، وإذا قدر لفعل " خلق " معمول ، يكون المعنى أنه الذي
خلق كل شئ ، فيتناول كل مخلوق لجميع المخلوقات ، وكلاهما يفيد الوحدانية
والإرادة والعلم والمقدرة والحكمة وغيرها من الصفات التي تناسب الخالق
جل وعلا ، فما أبلغ هذا السكوت عن ذكر المفعول لهذا الفعل " خلق "
وهو بدلالته على العموم ، يشمل أيضا كل ما هو مخلوق من كبير وصغير وجليل
وحقير وحسن وقبيح ، وفيه أيضا توكيد لنظام الرابطة بين الناس وعلق بعضهم
ببعض ، والمؤمن يشاهد التوحيد ماثلا في كل شئ ، ينكشف من تأمله إلى
الخلق ، ومن نور الحق الذي يبهره بتفكيره في خالقه !
وفي كل شئ له آية * تدل على أنه الواحد .
( و ) ويلاحظ أيضا أنه تعالى لما أردف لفظ الرب " بالذي خلق "
أي الذي قام بفعل الخلق ، كأنه أمرك أن تنظر في فعله وتفكر فيه ،
لا في ذاته تعالى ، لأن العقول تتحير في التفكر في الذات ، فلا تطيق البصر
ولا إشغال البصيرة !
ومعنى " الخلق " لغة التقدير ، ولكن الإيجاد من العدم يطلق عليه " الإبداع "
قال تعالى : " بديع السماوات والأرض ، وإذا قضى أمرا ، فإنما يقول له كن ،
فيكون " ، وقد استعملت " خلق " هنا في أداء المعنيين من باب التغليب ،
الثقافة الروحية في إنجيل برنابا — صفحة 434
مساهمون: محمود علي قراعة
ص٤٣٤