فما هو واقع تحت حواس الإنسان ، هو نتيجة الإبداع والخلق معا ، ومن
الصعب على الإنسان أن يتصور عدم الوجود بعد أن أدرك هذا الإبداع !
إذ هو يرى الوجود ويشعر بفضائه وما هو كائن في فضائه ، ولكنه إذا تخيل
فناء ما هو كائن في الفضاء - أي الموجود الحسي - فليس يسهل عليه تخيل
فناء الفضاء ذاته ، وضعف الإنسان حاصل في إدراك هذا الفناء الشامل ، أي
الرجوع إلى حالة العدم السابق على الإبداع - أي بمحو الموجود غير الحسي
أيضا - وأنه بسبب هذا الضعف في الإدراك وعدم التنبه له ، ضل كثير من
الطبيعيين وغيرهم وبعدوا عن الحقيقة في معرفة الله تعالى وصفاته ، ووصفوه
بغير ما يليق بما يفيد الشرك به " سبحان ربك ، رب العزة ، عما يصفون " ،
" قل هو الله أحد ، الله الصمد ، لم يلد ، ولم يولد ، ولم يكن له كفوا أحد " .
وهذه الآية " اقرأ باسم ربك الذي خلق " توضح الصلة بين الخالق وبين
المخلوقات ، ببيان أن الكل من خلقه تعالى ، كما تفصح عن صلة ما بين الإنسان
وبين ربه ، صلة مباشرة ، لا وساطة فيها بينهما ، فيكفر تفكيرا عقليا حرا في
الكائنات ، أما في الأديان الأخرى فإن رجال الدين يصدون الناس عن التفكير
العقلي الحر ، بل إنهم يصدون أنفسهم كذلك ، ويعتبرون : ما وجدوا عليه
آباءهم أسرارا لاهوتية وأمورا فوق طاقة الإنسان إدراكها !
وتفيد الآية كذلك أن العلم لا ينمو ولا يتطور إلا في جو من النظر الحر
والاستقلال عن الاعتبارات الاعتقادية ، وقد حاطه الإسلام بحوائط تحميه
شر الجمود والرجعية ، وحث القرآن على النظر في الكون إجمالا ثم تفصيلا ،
حتى قدح في الذين لم تؤثر فيهم آيات الكون ، ولم تبعثهم على التفكير ، فقال :
" وكأين من آية في السماوات والأرض ، يمرون عليها ، وهم عنها معرضون " ،
كما حض الناس على إيقاظ غريزة التأمل ، فقال في آيات عدة : " لقوم يفقهون " ،
" لقوم يعلمون " ، " أفلا يعقلون " ، " أفلا يتفكرون " ، " لعلهم يتفكرون " ،
لكل آية ما يناسبها في بحثها عن طريق التفقه أو العلم أو التفكير ، وهكذا ،
وسرد من عجائب المخلوقات النباتية والحيوانية والأجرام السماوية ما يصعب
الثقافة الروحية في إنجيل برنابا — صفحة 435
مساهمون: محمود علي قراعة
ص٤٣٥