هذا العلق بمستودع الرحم ، وقد قال تعالى " ولقد خلقنا الإنسان من سلالة
من طين ، ثم جعلناه في قرار مكين ، ثم خلقنا النطفة علقة ، فخلقنا العلقة مضغة
فخلقنا المضغة عظاما ، فكسونا العظام لحما ، ثم أنشأناه خلقا آخر ، فتبارك الله
أحسن الخالقين " !
ويقول المفسرون ما يفيد أن الآية بذكرها خلق الإنسان ، من علق ،
هو خلقه من تلك الجرثومة ، وأن الآية تلفته إلى ما كان في بدء خلقه ،
ثم إلى ما صار إليه من كمال خلقته ، وأن عقله وإرادته ووجدانه وعواطفه
ونزوعه إلى الطموح والتسامي وسائر ميوله التي أوجدها الله فيه بعد تكوين
جسمه والتي لم يوجدها في سواه ، تجعله مخلوقا وحيدا في نوعه ، ويكفي أن الله
تعالى في آية بيان خلقه له ، قال : " ثم أنشأناه خلقا آخر " ، " فتبارك الله أحسن
الخالقين " !
( ح ) وذكر تعالى مسألة خلق الإنسان في آيات كثيرة غير هذه الآيات ،
منها قوله في سورة السجدة " الذي أحسن كل شئ خلقه ، وبدأ خلق الإنسان
من طين ، ثم جعل نسله من سلالة من ماء مهين ، ثم سواه ونفخ فيه من روحه
وجعل لكم السمع والأبصار والأفئدة ، قليلا ما تشكرون " ، وقال تعالى في
سورة الروم : " من آياته أن خلقكم من تراب ، ثم إذا أنتم بشر تنتشرون " ،
وقال تعالى في سورة التغابن : " هو الذي خلق السماوات والأرض بالحق ،
وصوركم ، فأحسن صوركم " ، وقال تعالى في سورة النمل : " والله أخرجكم من
بطون أمهاتكم ، لا تعلمون شيئا ، وجعل لكم السمع والأبصار والأفئدة ،
لعلكم تشكرون " !
ومن هذا يتضح أن آية : " خلق الإنسان من علق " ، تعطي حكما بذاتها
خاصا بخلق الإنسان ، كما تعطي بترتيب وضعها وصلتها بما قبلها معاني أخرى ،
فآية " خلق الإنسان من علق " ، تشمل أمرا مستقلا ، وهو أن الإنسان خلق
من تلك الجرثومة ، أو أنه خلق اجتماعيا بطبيعته ، ومع ذلك فورودهما بعد
قوله " اقرأ باسم ربك الذي خلق " فيه إتمام لسياق الهداية ، وتكميل للمراد
بالقراءة !
الثقافة الروحية في إنجيل برنابا — صفحة 438
مساهمون: محمود علي قراعة
ص٤٣٨