بثلاثة من أهم الأمور للحياة الراقية السعيدة : أولها التأمل والتفكير في خلقة
الكائنات " اقرأ باسم ربك الذي خلق " ، وهذه هي فلسفة التأمل والملاحظة
أو التربية التجريبية ، وثانيها هو العلم المسطور بالقلم " اقرأ وربك الأكرم الذي
علم بالقلم " ، وثالثها مراعاة الروابط الإنسانية " خلق الإنسان من علق " ،
ولم يبدأ ببيان عقائدها أو بتقرير مراسم عباداتها ، وذلك لأن الشخصية
الإنسانية لا يتم صلاحها بمجرد تلقين عقائد دينية ، ولا القيام بفروض
تعبدية ( 1 ) !
( ب ) فالقرآن من بدايته قرر اعتماد الدين الإسلامي على العقل الإنساني ،
ووجهه إلى دراسة الكائنات بتأمل وحرية فكر ، والإقبال على العلوم وطلب
المزيد منها ، فلا يكتفي الإسلام أن يضمك إلى صفوفه عن طريق الوراثة ،
وإن كان قلبك قد تشرب بحب الدين ، بينما ذهنك خال من فهم معانيه وأغراضه
وإدراك فلسفته الإلهية التي تنساق في كل ثقافته وآدابه وأحكامه ، بل يطلب
منك أن تعنى بتربية نفسك تربية علمية وعملية ، وأن تغذي عقلك وتنميه
بالمبادئ الصحيحة ، والمشاهدات التجريبية بصفاء ذهن وحرية فكر " اقرأ باسم
ربك الذي خلق " ، ويريدك أن تكون واسع الاطلاع ، ملما بأقصى ما يستطاع
" اقرأ وربك الأكرم الذي علم بالقلم ، علم الإنسان ما لم يعلم " ، وكان لذلك
أثره الكبير في تكوين العقل الإسلامي والعقيدة الإسلامية ، فجعل في ميدان
الحنيفية السمحة متسعا لحرية الأفكار واختلاف الأنظار ، بخلاف الأديان
الأخرى ، فقد حجر أصحابها على حرية التفكير في المعتقدات ، وحرموا المناقشة
فيها فصدوا أنفسهم والناس عن كل تفكير عقلي حر ، واعتبروا أن ما وجدوا
عليه آباءهم أسرارا وأمورا لاهوتية وأمور فوق طاقة البشر إدراكها " أو لو كان
آباؤهم لا يعقلون شيئا ، ولا يهتدون " ولم يكن يجرؤ عالم أو مفكر على أداء
رسالته ، حتى لقد جعلوا لرؤساء الكنيسة سلطانا على الحياة الأخرى ، فكانوا
هامش
( 1 ) راجع ص 15 - 20 من وحي الآيات الأولى في تنزيل القرآن ج 1 للمرحوم
الأستاذ أحمد نجيب برادة .