بطريق التأمل في الكائنات وتفهمها والاستنباط منها ، وهي الطريقة العلمية
الحديثة ، الطريقة التجريبية التي هي وليدة الملاحظة ، وإننا إذا لاحظنا معنى
التربية الذي تضمنته كلمة الرب في قوله " باسم ربك " وقوله " وربك الأكرم "
لفهمنا أن من ضمن ما تحتويه مقاصد هذه الآيات ، وضع أساليب للتربية والتعليم
وأنها تفيد من هذه الوجهة أمرين :
( أولهما ) تربية الإنسان عن طريق الفهم " اقرأ باسم ربك الذي خلق " ،
( وثانيهما ) عن طريق العلم " اقرأ وربك الأكرم ، الذي علم بالقلم " .
ولقد قدم سبحانه وتعالى ، وهو المربي الأعظم ، طريق الفهم بالتأمل والتدبر
في الخلق ، على العلم المسطور ( Science ) لكي يتعود الناس أولا حرية الفكر
الضرورية .
فمن يقرأ في الكون ، يكون كمن يدرس كتابا هو أجمل الكتب وأعظمها ،
ولا غرو فالمسطور فيه هو كلمات الله جل جلاله وبديع آياته ، فهذا الكون كما
يقول المرحوم الشيخ محمد عبدة " هو كتاب الإبداع الإلهي ، المفصح عن وجود
الله وكماله وجلاله وجماله " وإلى هذا الكتاب الإشارة بقوله تعالى " قل لو كان
البحر مداد لكلمات ربي ، لنفد البحر قبل أن تنفد كلمات ربي ولو جئنا بمثله
مددا " ، وقوله : " ولو أن ما في الأرض من شجرة أقلام ، والبحر يمده من
بعده سبعة أبحر ، ما نفدت كلمات الله " ، وهي تنطق بلسان الحال بما هو
أفصح من لسان المقال !
ولذا يقول الإمام محمد عبدة " إن لله كتابين ، كتابا مخلوقا وهو الكون ،
وكتابا منزلا وهو القرآن ، وإنما يرشدنا إلى هذا طريق العلم بما أوتينا من العقل ،
فمن قرأ وأطاع ، فهو من الفائزين ، ومن أعرض فهو من الخاسرين " ،
والقراءة في عالم الطبيعة وسيلة لإدراك المعلومات وطريقة لكشف المجهول
من حقائق هذا الكون ، وكشف هذه الحقائق يؤدي إلى معرفتنا كيف نسخر
موجوداته ونسخر قواها لمصلحة الإنسان ، وقد قال تعالى " ألم تروا ، أن الله
سخر لكم ما في السماوات وما في الأرض ، وأسبغ عليكم نعمه ، ظاهرة وباطنة " ،
الثقافة الروحية في إنجيل برنابا — صفحة 431
مساهمون: محمود علي قراعة
ص٤٣١