ثم يبدأ بالتفكير في حالته لمعرفة حقيقته وحكمه ونظامه ، ثم إنه لإدراك كنه
الشئ ومعرفة أحواله ، يقتضي رؤيته في موضعه ووضعه الحقيقيين ، بالنسبة
لسائر الأشياء ، وأن لا يقف النظر عند الجزئي مستقلا لمعرفة حقيقته وحده ،
بل يجب أن يجول النظر فيه وحوله ، لأجل الكشف عن النواميس التي تربط
هذا الجزئي بباقي ما حوله ، وما هو مرتبط به من الكائنات الأخرى !
وأما الفكر ، فهو ثاني العناصر لفعل " اقرأ " ، وهو على حد قول الإمام
الغزالي " مفتاح الأنوار ومبدأ الاستبصار ، وهو شبكة العلوم ومصيدة المعارف
والفهوم ، وقد عرف أكثر الناس فضله ومرتبته ، لكن جهلوا حقيقته وثمرته ،
ومصدره ومورده ، ومجراه ومسرحه ، وطريقته وكيفيته ، ولم يعلم البعض فيما
ذا يتفكر ، وماذا يطلب ، أهو مراد لعينه أم لثمرة تستفاد منه " ، وقد كفلت
آيات الذكر الحكيم بيان كل أولئك لمن يتدبرها !
والبحث في الفكر من أهم مواضيع علم النفس والأدب ، فالفكر زناد
المعرفة ، ضياء للبصر ، وضياء للفؤاد ، به أنت ترى ما لم تكن تراه ، وبه تميل إلى
ما لم تكن جوارحك إليه تميل ، قال وهب بن منبه " ما طالت فكرة امرئ قط
إلا علم ، وما علم امرؤ قط إلا عمل " ، ومن التفكير المخترعات والمكتشفات ،
والتعبير الذي جاءت به هذه الآية " اقرأ باسم ربك الذي خلق " ، يفيد أن الله
سبحانه وتعالى جعل مما خلق مجالا للنظر والتفكير والإدراك ، وبالتالي إفادة
المعرفة ، والناس كما يقول ابن القيم " تتفاوت في مراتب الفهم في النصوص ،
فمنهم من يفهم من الآية حكما أو حكمين ، منهم من يفهم عشرة أحكام أو أكثر
من ذلك ، ومنهم من يقتصر في الفهم على مجرد اللفظ دون سياقه ودون إيمائه
وإشارته وتنبيهه واعتباره ، وأخص من هذا وألطف أن تضمه إلى آخر متعلق
به ، فتفهم من اقترانه به قدرا زائدا على ذلك اللفظ بمفرده ، وهذا باب عجيب
من فهم القرآن ، لا يتنبه له إلا النادر " !
فالله سبحانه وتعالى بدأ الهداية الإسلامية بهذه الأساليب الفكرية ، ليتمكن
الناس بها أيضا من المعرفة واستخراج حقائق الأشياء ، لأنفسهم بأنفسهم
الثقافة الروحية في إنجيل برنابا — صفحة 430
مساهمون: محمود علي قراعة
ص٤٣٠