القضيتين المتناقضتين في السلب والإيجاب ، على وجه يلزم من صدق إحداهما
كذب الأخرى ، لا يمكن الجمع بينهما ، والصوفية يزعمون أنه يثبت عندهم في
الكشف ما يناقض صريح العقل ، ويقولون بالجمع بين النقيضين وبين الضدين ،
ومن سلك طريقهم ، يخالف المعقول والمنقول :
ولا ريب عند ابن تيمية ، في أن هذا من أفسد ما ذهب إليه أهل السفسطة
وقد زاد ابن تيمية الأمر تفصيلا وإيضاحا ، فعرض لمذهب ابن عربي في
الاعتقاد بكل ما وردت به الأديان المختلفة ، كما يدل عليه البيت المثبت آنفا ،
فإذا هو يقرر أن القائلين بهذا القول مشركون ، لأنهم عدلوا بالله كل مخلوق
وجوزوا أن يعبد كل شئ ، ومع أنهم يعبدون كل شئ ، فإنهم يقولون :
" ما عبدنا إلا بالله " ، وهذا في نظر ابن تيمية مخالف لدين المرسلين ولدين أهل
الكتاب والملل جميعا ، بل ولدين المشركين أيضا ، ولما فطر الله عليه عباده
مما يعقلونه بقلوبهم ، ويجدونه في نفوسهم ، وهو في غاية الفساد والسفسطة
والجحود لرب العالمين .
ويستدل ابن تيمية على ذلك كله ، بأن الرسل كانوا يعتبرون ما عبده
المشركون شيئا غير الله ، وينظرون إلى عابده على أنه عابد لغير الله ، مشرك به
عادل به ، جاعل له ندا ! كما يستدل بأن الرسل دعوا الخلق إلى عبادة الله وحده
لا شريك له ، وهذا هو الإسلام العام ، الذي لا يقبل الله من الأولين
والآخرين غيره .
ويشارك ابن تيمية في مجموعة الرسائل والمسائل في نقده وتجريحه لمذهب
الصوفية في الجمع بين العقائد المختلفة ، ناقد آخر من الذين نعوا على الصوفية ،
وهو صالح بن مهدي المقبلي في " العلم الشامخ " ، فقال : " إن صح ما دعا إليه
ابن الفارض وابن عربي من عدم التفريق بين الأديان ووجوب الاعتقاد
بأنها فروع لأصل واحد ، فإنه ينبني على ذلك ألا يكون الأنبياء منصفين ، حين
أنكروا على الكفار عبادة غير الله ( 1 ) . . " !
هامش
( 1 ) راجع ص 289 - 306 من ابن الفارض والحب الإلهي ، للدكتور محمد
مصطفى حلمي .