( ثانيا ) أن إرادة الإنسان ليست حرة ، ولا اختيار لها فيما يصدر عن
الإنسان من أفعال الخير والشر ، ولا فيما ينعم به من الإيمان ، أو ما يغرق
فيه من الكفر ، بل إن مشيئة الله وحكمته هما اللتان تقضيان بأن تكون هذه
الأفعال الإنسانية أو تلك خيرة أو شريرة ، وتقدران على هذا الإنسان
أو ذاك ، أن يكون من المؤمنين أو من الكافرين ، فالله هو الذي يهدي من
يشاء ، وهدايته لأولئك ، وإضلاله لهؤلاء ، إنما يسيران على مقتضى قانون
إلهي أزلي دائم ، وصفه الله ، وكتب فيه ما قدر لكل من سعادة أو شقاء ، ومن
هدى أو ضلال . وهذا القانون الإلهي لكل فعل من الأفعال الإنسانية ، هو
عند ابن الفارض ، اسم من أسماء الذات الإلهية ، فالهادي والمضل ، والمعز
والمذل والمنعم والمنتقم ، والقابض والباسط ، الخ . . . كل أولئك أسماء تنطوي
على صفات ، ولها مقتضياتها ، وأحكامها التي تجريها على الخلق ، فيما يعتقدون
ويفعلون !
وقد أشار ابن الفارض إلى هذا كله في قوله :
ولولا حجاب الكون ، قلت ، وإنما * قيامي بأحكام المظاهر ، مسكتي
فلا عبث والخلق لم يخلقوا سدى * وإن لم تكن أفعالهم بالسديدة
على سمة الأسماء ، تجري أمورهم * وحكمة وصف الذات ، للحكم أجرت
يصرفهم في القبضتين ، ولا ولا * فقبضة تنعيم ، وقبضة شقوة ( 1 )
وكما تشابه ابن الفارض والحلاج وابن عربي في الفكرة الأولى ، فقد تشابه
هنا معهما ، فالحلاج يرى أن الله شغل بكل دين طائفة ، لا اختيارا منهم ، بل
اختيارا عليهم ، فمن لام أحدا ببطلان ما هو عليه ، فقد حكم بأنه اختار ذلك
لنفسه ، وهذا مذهب القدرية ( والقدرية مجوس هذه الأمة عنده ) !
هامش
( 1 ) يشير إلى ما روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ، من أنه قال : إن الله تبارك
وتعالى خلق آدم ، فضرب بيمينه على يساره ، فأخرج ذرة بيضاء كالفضة ، ومن اليسرى
سوداء كالفحمة ، ثم قال : هؤلاء في الجنة ، ولا أبالي ، وهؤلاء في النار ، ولا أبالي .