للقلب ، يثمرها نوع من المعرفة ، وتثمر أعمالا في الجوارح وفي القلب ، بمراعاة
القلب للرقيب واشتغاله به ، والعلم بأن الهل مطلع على الضمائر ، عالم بالسرائر ،
رقيب على أعمال العباد ، والموقنون بهذه المعرفة هم المقربون ، فمراقبة الصديقين
منهم هي مراقبة التعظيم والإجلال ، وهو أن يصير القلب مستغرقا بملاحظة
ذلك الجلال ، فلا يبقى فيه متسع للإلتفات إلى الغير أصلا ، وهذه مراقبة
مقصورة على القلب ، أما الجوارح فإنها تتعطل عن الالتفات إلى المباحات
فضلا عن المحظورات ، وإذا تحركت بالطاعات ، كانت كالمستعملة بها ، فلا تحتاج
إلى تدبير وتثبيت في حفظها على سنن السداد والاستقامة من غير تكلف !
أما الورعون أصحاب اليمن ، فهم قوم غلب يقين اطلاع الله على قلوبهم ،
ولكن لم تدهشهم ملاحظة الجلال ، بل بقيت قلوبهم على حد الاعتدال متسعة
للتلفت إلى الأحوال والأعمال ، إلا أنها مع ممارسة الأعمال لا تخلوا عن المراقبة
وقد غلب عليهم الحياء من الله ، فلا يقدمون ولا يحجمون إلا بعد التثبت
فيه ، فإنهم يرون الله في الدنيا مطلعا عليهم ( على ظاهرهم وباطنهم ) ، فلا يحتاجون
إلى انتظار القيامة ، ومن كان في هذه الدرجة ، فيحتاج أن يراقب جميع حركاته
وسكناته وخطراته ولحظاته ، وبالجملة جميع اختياراته ( بأن يسأل نفسه لم ؟
وكيف ؟ ولمن ؟ ) عند همه بالفعل فيتوقف ، حتى ينكشف له بنور العلم ، أنه
لله تعالى فيمضيه ، أو هو لهوى نفس فيتقيه ، والعبد لا يخلو ، إما أن يكون
في طاعة أو في معصية أو في مباح ، فمراقبته في الطاعة بالإخلاص والإكمال
وحراستها عن الآفات ، وإن كان في معصية فمراقبته بالتوبة والندم والحياء
والاشتغال بالتفكر ، وإن كان في مباح ، فمراقبته بمراعاة الأدب ، ثم بشهود
المنعم في النعمة ، وبالشكر عليها ، والصبر على البلية !
وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " نية المرء خير من عمله " ، ويقول
الغزالي إن معناه إن نية المؤمن من جملة طاعته ، خير من عمله الذي هو من
جملة طاعته ، والغرض أن للعبد اختيارا في النية وفي العمل ، والنية من الجملة
خيرهما ( لأن القلب على الجملة أفضل من حركات الجوارح ، والنية ميل
القلب إلى الخير وإرادته له ) ، والأعمال وإن انقسمت أقساما كثيرة ، من فعل
الثقافة الروحية في إنجيل برنابا — صفحة 346
مساهمون: محمود علي قراعة
ص٣٤٦