إما لغرض آجل وهو الثواب ، أو عاجل وهو الثناء ، ثم إن الله أنعم على العالمين ،
إحسانا إليهم ولأجلهم ، بإيجادهم وتكميلهم وترفيههم وتنعيمهم ( لا لحظ وغرض
يرجع إليه ، فإنه يتعالى عن الأعراض ) ! وثالث أسباب الحب ، أن يحب الشئ
لذاته ، لا لحظ ينال منه وراء ذاته ( وذلك كحب الجمال ) ، فإذا ثبت أن الله
جميل ، كان لا محالة محبوبا عند من انكشف له جماله وجلاله ، كما قال رسول الله
صلى الله عليه وسلم " إن الله جميل يحب الجمال " ، فالحسن ليس مقصورا على
مدركات البصر ، وإن كل شئ جماله أن يحضر كماله اللائق به والممكن له ،
ومن أمثلة جمال الصور الباطنة جمال العلم والقدرة والكمال ، والله هو أجل
المعلومات ، فأحسن العلوم وأشرفها معرفته ، ويختص به ، ولا يتصور كمال
التقدس والتنزه إلا للواحد الحق ، فالكمال لله وحده ، وليس لغيره كمال إلا بقدر
ما أعطاه الله ، فهو المنفرد بالكمال ، المنزه عن النقص ، المقدس عن العيوب ،
فالجميل المطلق هو الله !
ورابع أسباب الحب هو لذة جمال المعاني والصور ، وحب المعاني الباطنة
أكثر من حب المعاني الظاهرة ، عند ذوي البصائر . !
وخامس أسباب الحب هو المناسبة الخفية ( تناسب الأرواح ) بين المحب
والمحبوب ، والتعارض والتناسب أيضا يقتضي حب الله تعالى ، لمناسبة باطنة
هي قرب العبد من ربه عز وجل في الصفات التي أمر فيها بالاقتداء ، والتخلق
بأخلاق الربوبية ، وذلك في اكتساب محامد الصفات ، على أن الروح أمر
رباني " قل الروح من أمر ربي " ، " فإذا سويته ونفخت فيه من روحي " !
ويقول الغزالي إنه لو اجتمعت أسباب الحب في شخص واحد ، تضاعف
الحب لا محالة ، ولا محبوب بالحقيقة عند ذوي البصائر إلا الله تعالى ، ولا مستحق
للمحبة سواه ، لأنها مجتمعة في حقه تعالى بجملتها في أقصى درجات الكمال ،
ولا يوجد في غيره إلا آحادها ، ووجودها في حق غيره وهم وتخيل ، ومجاز
محض لا حقيقة له !
ويقول الغزالي إن مقتضى سنة الله تعالى أن النفس تحجب بعوارض البدن
ومقتضى الشهوات وما غلب عليها من الصفات البشرية ، عن مشاهدة المعلومات
الثقافة الروحية في إنجيل برنابا — صفحة 339
مساهمون: محمود علي قراعة
ص٣٣٩