كل مختار الإيمان على يديه ، فالإيمان واحد ، كما أن الله واحد ، لذلك لما خلق
الله قبل كل شئ رسوله ، وهبه قبل كل شئ الإيمان الذي هو بمثابة صورة الله
وكل ما صنع الله وما قال ، فيرى المؤمن بإيمانه كل شئ ، أجلى من رؤيته إياه
بعينه " ، " صدقني أنه بالإيمان يخلص كل مختاري الله ، ومن المؤكد أنه بدون
إيمان لا يمكن لأحد أن يرضي الله ، ولذلك لا يحاول الشيطان إن يبطل الصوم
والصلاة والصدقات والحج ، بل هو يحرض الكافرين عليها ، لأنه يسر أن
يرى الإنسان يشتغل بدون الحصول على أجرة ، لن يحاول جهده بجد أن
يبطل الإيمان ، لذلك وجب بوجه أخص أن يحرص على الإيمان بجد ، وآمن
طريقه لذلك أن تترك لفظه لماذا ، لأن لماذا أخرجت البشر من الفردوس ( 1 ) " .
( 5 ) حب الله تعالى :
يقول الغزالي : " إن البصيرة الباطنة أقوى من البصر الظاهر ، والقلب أشد
إدراكا من العين ، وجمال المعاني المدركة بالعقل ، أعظم من جمال الصور الظاهرة
لأبصار ، فتكون لا محالة لذة القلب بما يدركه من الأمور الشريفة الإلهية
التي تجل عن أن تدركها الحواس ، أتم وأبلغ ، فيكون ميل الطبع السليم
والعقل الصحيح إليه أقوى " ، ولكي يبين الغزالي تحقيق معنى محبة العبد لله تعالى
بين لنا أسباب المحبة عموما ، ثم ذكر أدلة وجودها ، بل قوة هذه الأدلة في الله
فيقول إن المحبوب الأول عند كل حي نفسه وذاته ، ومن عرف نفسه وعرف
ربه ، عرف قطعا أن لا وجود له من ذاته ، وإنما وجود ذاته ودوام وجوده
وكمال وجوده ، من الله تعالى وإلى الله وبالله ، ومن خلا عن هذا الحب ، فلأنه
اشتغل بنفسه وشهواته ، وذهل عن ربه ، وخالقه ، فلم يعرفه حق معرفته ! وثاني
أسباب الحب هو الإحسان ، ولو عرف الإنسان حق المعرفة ، لعلم أن المحسن
إليه هو الله تعالى فقط ، وهو المستحق لهذه المحبة وحده ، وأن الإحسان من
الناس غير متصور إلا بالمجاز ( فالله المحسن هو الذي اضطر المحسن إليك وسخره ،
هامش
( 1 ) راجع ص 139 - 141 من إنجيل برنابا .