الخارجة عن الخيال ، فإذا ارتفع الحجاب بالموت ، بقيت ملوثة بكدورات الدنيا
وإن كانت متفاوتة ، فمنها ما تراكم عليه الخبث وهؤلاء هم المحجوبون عن ربهم
ومنها ما لم يخرج عن قبول التزكية ، فيعرض على النار عرضا ، يقمع منه الخبث
الذي هو متدنس به ، فإذا أكمل الله تطهيرها ، يتجلى له الحق سبحانه وتعالى
تجليا يكون انكشاف تجليه بالإضافة إلى علمه كانكشاف تجلى المرآة بالإضافة
إلى ما تخيله ، وهذه المشاهدة والتجلي هي التي تسمى رؤية ( من غير تخيل
وتصور وتقدير شكل وصورة ) ، ولا يفوز بدرجة النظر والرؤية إلا العارفون
في الدنيا ، والتجلي على درجات كالمعرفة ، فإذا نعيم الجنة بقدر حب الله تعالى
وحب الله تعالى بقدر معرفته ، فأصل السعادات هي المعرفة " والذين آمنوا .
أشد حبا الله " !
وأصل حب الله لا ينفك عنه مؤمن ، لأنه لا ينفك عن أصل المعرفة ،
ولكن يرى الغزالي أن العبد يكتسب حب الله تعالى في الدنيا ، حتى ينتهي
إلى العشق بسببين : قطع علائق الدنيا وإخراج حب غير الله من القلب " وما
جعل الله لرجل من قلبين في جوفه " ، وأظهر الموجودات وأجلاها هو الله
تعالى ، وكان هذا يقتضي أن تكون معرفته أول المعارف وأسبقها إلى الأفهام
وأسهلها على العقول ، ولكنا نرى الأمر غير ظاهر لانبهار العقول ودهشتها
عن إدراكه ، إذ عقولنا ضعيفة ، وجمال الحضرة الإلهية في غاية الإشراق
والاستنارة وفي غاية الاستغراق والشمول ، فصار ظهوره سبب خفائه ، ومن
قويت بصيرته ، لا يرى إلا الله تعالى ، ولا يعرف غيره ، فيعلم أن ليس في
الوجود إلا الله ، وأفعاله أثر من آثار قدرته ، وإنما الوجود للواحد الحق
الذي به وجود الأفعال كلها ، ومن هذا حاله فلا ينظر إلى شئ من الأفعال
إلا ويرى الفاعل ، ويذهل عن الفعل !
وقال الله تعالى " يحبهم ويحبونه " ، وقد اشترط للمحبة غفران الذنب ،
فقال : " قل إن كنتم تحبون الله ، فاتبعوني ، يحببكم الله ويغفر لكم ذنوبكم " ،
ويقول الغزالي إن الموجود التابع لا يكون مساويا للموجد المتبوع ، فكان
استعمال لفظ الحب في حق الخالق بطريق الاستعارة والمحبة في وضع اللسان
الثقافة الروحية في إنجيل برنابا — صفحة 340
مساهمون: محمود علي قراعة
ص٣٤٠