الجنة ، وأن ذلك السلام حقيقة ، وهو قول من رب رحيم ، وقال عز وجل
" يوم نحشر المتقين إلى الرحمن وفدا " ، أي أنهم يزورون ربهم تبارك وتعالى
فهل لذة رضى الله سبحانه وتكليمه للمؤمنين ورؤيتهم له وزيارتهم ، لذة روحية
أو حسية ؟
على أن أغلب عنصر في اللذات الأخرى عموما ، هو التمكن والتملك وحرية
الاستعمال والأمن فيه ، وعدم فقده أو تصور فقده أو العجز عن الحصول
عليه أو استمرار التمتع به ، وكلها مركبات روحية !
* * *
ومع هذا فكيف لذتك ، إذا دخلت الجنة ، كيف تشاء ، فلتغلب الروحية
في لذتك كما سيكون ، أو فلتغلب الحسية فيها إن استطعت ، فليس هذا هو المهم ،
إنما المهم أنه ليس للجنة إلا طريق واحد بينه تعالى في قوله " وأن هذا صراطي
مستقيما فاتبعوه ، ولا تتبعوا السبل ، فتفرق بكم عن سبيله " ، وقوله " وعلى الله
قصد السبيل ، ومنها جائز ( 1 ) " وقوله " هذا صراط علي مستقيم " ! وأما السبل
في قوله تعالى " فقد جاءكم من الله نور وكتاب مبين ، يهدي به الله من اتبع
رضوانه سبل السلام " ، فهي شعب الإيمان بإجابة داعي الله ، فلتجب داعي الله
تكن سعيد الدارين ، ولتعمل الخير ما استطعت ، لتفوز فوزا عظيما !
ذكر البخاري في صحيحه عن وهب بن منبه أنه قيل له " أليس مفتاح الجنة
لا إله إلا الله ؟ " قال " بلى ! ولكن ليس من مفتاح إلا وله أسنان ! فإن أتيت
بمفتاح له أسنان ، فتح لك ، وإلا لم يفتح " ! وعن العلاء بن زياد أنه كان يذكر
بالنار ، فقال رجل " لم تقنط الناس ؟ ، فقال وأنا أقدر أن أقنط الناس ! والله
تعالى يقول " يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم ، لا تقنطوا من رحمة الله ،
إن الله يغفر الذنوب جميعا " ، ويقول : " وإن المسرفين هم أصحاب النار " ،
ولكنكم تحبون أن تبشروا بالجنة على مساوي أعمالكم ، وإنما بعث الله محمدا
مبشرا بالجنة لمن أطاعه ، ومنذرا بالنار لمن عصاه ( 2 ) ! "
هامش
( 1 ) أي ومن السبيل جائر عن القصد ، وهي سبيل الغي .
( 2 ) راجع ص 161 من تيسير الوصول ج 1 للشيباني .