كل وقت ، إلا يشاء ألا يكونوا فيه ، وذلك يتناول وقت كونهم في الدنيا ،
وفي البرزخ ، وفي موقف القيامة ، وعلى الصراط ، وكون بعضهم في النار
مدة ( 1 ) ، فهل لذة الأبدية ، لذة روحية أو حسية ؟
ثم إن أسمى لذات الجنة إطلاقا ، لذة رضى الله ورؤيته وتكليمه لأهل الجنة
وزيارتهم ربهم تبارك وتعالى ، هذا وإن سألت عن يوم المزيد ، وزيارة العزيز
الحميد ، ورؤية وجهه المنزه عن التمثيل والتشبيه ، كما ترى الشمس في الظهيرة
والقمر ليلة البدر ، كما تواتر عن الصادق المصدوق النقل فيه - كما نقل ابن القيم
في كتابه حادي الأرواح - " فاستمع يوم ينادي المنادي " يا أهل الجنة ! إن ربكم
تبارك وتعالى ، يستزيركم ، فحي على زيارته ! " ، فيقولون " سمعا وطاعة " ،
وينهضون إلى الزيارة مبادرين ، فإذا بالنجائب قد أعدت لهم ، فيستوون على
ظهورها مسرعين ، حتى إذا الداعي منهم أحدا ، أمر الرب تبارك وتعالى بكرسيه
فنصب هناك ، ثم نصبت لهم منابر من نور ومنابر من لؤلؤ ومنابر من زبرجد
ومنابر من ذهب ومنابر من فضة ، وجلس أدناهم - وحاشاهم أن يكون فيهم
دنئ - على كثبان المسك ، ما يرون أن أصحاب الكرسي فوقهم في العطايا ،
حتى إذا استقرت بهم مجلسهم ، واطمأنت بهم أماكنهم ، نادي المنادي " يا أهل
الجنة ! إن لكم عند الله موعدا ، يريد أن ينجزكموه " فيقولون " ما هو ؟ ألم يبيض
وجوهنا ويثقل موازيننا ويدخلنا الجنة ويزحزحنا عن النار ؟ " فبينما هم كذلك ،
هامش
( 1 ) اختلف في هذا الاستثناء ، فقيل مدة مكثهم في النار ، وقيل إنه استثناء
استثناء الرب تعالى ولا يفعله ، والفراء يجعل معنى إلا في ذلك ومعنى الواو سواء ،
أي سوى ما شاء الله من الزيادة على مدة دوام السماوات والأرض ، وسيبويه يجعل
إلا بمعنى لكن ! وقيل : الاستثناء مدة البرزخ ، وقيل مدة الدنيا ، وقيل إنه إعلام
لهم إنهم مع خلودهم ، في مشيئة الله ! وقال ابن قتيبة إن إلا بمعنى سوى ، أي سوى
ما شاء الله أن يزيدهم ، وقيل ما بمعنى من ، أي إلا من شاء ربك أن يدخله النار بذنوبه
من السعداء ، وقيل المراد بالسماء والأرض ، سماء الجنة وأرضها ، وهما باقيتان أبدا .
راجع ص 155 و 160 من حادي الأرواح إلى بلاد الأفراح لابن القيم .