كما قال الأصفهاني - لذة الآخرة على الحقيقة إلا إذا طالعناها ، فإذا طالعناها
شغلنا الفرح والتلذذ بها عن كل ما دونها ، كما قال تعالى " أصحاب الجنة اليوم ،
في شغل فاكهون " ، لا أخذا منا بالنظرية التصويرية ، التي يقول بها الأصفهاني
كما ذكرنا ، بل ميلا منا إلى القول بأنه إذا عرفنا لذة الرضوان ولذة السلام
الروحية ، فستكون كل اللذات ثانوية ، وتقل عنايتنا بها ، حتى نسموا بها إلى
جعلان تنزع منزعا روحيا ، وبذا نترك للحسن القليل من اللذات ، ونعني كل
العناية باللذة الكبرى لذة الروح !
صور لنفسك هذا العالم ، بعد أن تصور لها خلوه من الآلام وخلوه من
الشرور ، حتى خلوه من كثير مما نعده خيرا في عالمنا ، ثم بعد ذلك استفت
قلبك ، فيريك أن أهله يأكلون ويشربون ، ويمزجون أكلهم وشربهم بما هو
أسمى من الأكل والشرب ، وأنهم ينظرون لما أوتوا من حور وولدان نظرات
أسمى من نظراتنا ، وأنهم في تنقلهم بين قصورهم وجناتهم ، لهم غذاء هو الفضيلة
الوحيدة التي ستبقى لهم ، وفيها كل معاني الفضائل الأخروية والدنيوية ،
فضيلة الحب !
مثل لنفسك أنهم سيحيون بالحب ، وأنهم سينعمون بحب الله وحب
ما آتاهم الله وحب ما أنعم به عليهم ، وأنهم سيلهمون التحميد والتسبيح ، كما نلهم
النفس في دنيانا ، واستفت قلبك . . . يرشدك لخير سبيل !
تصويرنا للذين الحبة والروحية :
فيجب على كل نصير للنظرية الحسية ، أن يرى أن أقل ما يمكن تصوره
في عالم سيخلو من البؤس والفقر والهرم ، ولن تهئ طبيعته المجال لظهور
الحكمة والعفة والشجاعة والعدالة وما يدخل تحت كل منها من فضائل إنسانية ،
إن ينعم الناس فيه بالاتحاد والمحبة ، فتتاح لهم أنواع المحبة من إلهية وصداقة
أخوية ، وفهم نزوع الأشياء المادية التي ستوجد هناك ، إلى التمتع بالنشوة
الروحية لوجودها ، وأن ليس معنى هذا خلو الجنة من استلذاذا بالحور العين
الاستلذاذ الحسى أو بما هنالك من مأكل ومشروب وحلي وحلل ، وبذا نضع
الثقافة الروحية في إنجيل برنابا — صفحة 312
مساهمون: محمود علي قراعة
ص٣١٢